لطالما اعتُبرت قدرة الكائنات الحية على إعادة نمو أطرافها المفقودة ميزةً تقتصر على قصص الخيال العلمي أو بعض الزواحف والبرمائيات، لكن دراسة مقارنة حديثة قلبت الموازين العلمية هذا الأسبوع، حيث كشف فريق دولي من الباحثين عن "مسار جيني عالمي" مشترك بين أنواع مختلفة تماماً من الكائنات، مما يفتح باباً موارداً أمام علاجات جينية مستقبلية قد تمنح البشر القدرة على استعادة أطرافهم المفقودة.
الحاجة الملحة للأطراف
على الصعيد العالمي، تُشير بيانات العبء العالمي للأمراض إلى وقوع أكثر من مليون عملية بتر للأطراف سنوياً، نتيجة لمضاعفات داء السكري، أو الإصابات الرضية الحادة، والسرطانات، والعدوى، ومع تزايد شيخوخة السكان وانتشار الأمراض المزمنة، يتوقع الخبراء قفزة في هذه الأرقام، مما جعل البحث عن حلول تتجاوز مجرد "تعويض" الطرف المفقود بأطراف اصطناعية ضرورةً طبية ملحة بهدف استعادة الوظائف الحسية والحركية الطبيعية.
3 مختبرات وفريق أحلام بيولوجي
جمعت هذه الدراسة الفريدة، المنشورة في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS)، بين ثلاثة مختبرات رائدة تعمل على كائنات متباينة:
- سمندل الأكسولوتل المكسيكي: ملك التجدد الذي يعيد بناء أطرافه وذيله وحبله الشوكي وحتى أجزاء من دماغه وقلبه.
- سمك الزيبرا: القادر على تجديد زعانفه مراراً وتكراراً، بالإضافة إلى القلب والشبكية والكلى.
- الفئران: الكائن الأقرب للبشر، والتي تمتلك قدرة محدودة ولكنها مذهلة على تجديد أطراف أصابعها.
أوضح جوش كوري، الأستاذ المساعد بجامعة "ويك فورست"، أن البحث أثبت وجود "برامج جينية عالمية موحدة" تحفز التجدد في أنواع كانت تُعتبر سابقاً بعيدة كل البعد عن بعضها من الناحية التطورية.
اكتشاف جينات SP.. "مفتاح التشغيل" المفقود
كشف البحث أن سر التجدد يكمن في مجموعة من الجينات تُعرف باسم جينات SP، وتحديداً الجينين SP6 و SP8، وجد الباحثون أن البشرة المتجددة -الجلد الذي ينمو فوق الجرح- في الأنواع الثلاثة تنتج هذين الجينين بشكل مكثف لبدء عملية بناء الأنسجة.
ولإثبات هذه النظرية، استخدم الفريق تقنية التحرير الجيني CRISPR لتعطيل جين SP8 في جينوم سمندل الأكسولوتل، وكانت النتيجة صادمة: فشل الحيوان تماماً في إعادة نمو عظام أطرافه، وبالمثل، أظهرت الفئران التي تفتقر لهذه الجينات عيوباً واضحة في نمو أصابعها، مما أكد أن هذه الجينات هي "المحرك الأساسي" لعملية إعادة البناء.
العلاج الجيني.. محاكاة قدرات السلمندر
في خطوة جريئة نحو التطبيق البشري، نجح مختبر ديفيد براون بجامعة "ديوك" في ابتكار علاج جيني فيروسي، استهدف هذا العلاج تقديم جزيء يُدعى FGF8، وهو البروتين الذي يتم تنشيطه عادةً بواسطة الجين SP8.
عند تطبيق هذا العلاج على أصابع الفئران التي تعاني من عيوب جينية، تمكنت الأنسجة من استعادة قدرتها التجديدية جزئياً، هذا النجاح يمثل "إثبات مبدأ" تاريخي، فإذا كان بإمكاننا تفعيل هذه المسارات في الثدييات كالفئران، فإن إمكانية تطبيقها على البشر تصبح مسألة وقت وبحث مستمر.
مستقبل التجدد.. حلول هجينة وشراكات عالمية
رغم التفاؤل الكبير، يؤكد العلماء أننا لا نزال في بداية الطريق قبل تطبيق هذه التقنيات على الأطراف البشرية الكاملة، ويرى البروفيسور كوري أن المستقبل سيعتمد على "حلول متعددة التخصصات"، حيث يتم دمج العلاج الجيني مع الدعامات المهندسة حيوياً وعلاجات الخلايا الجذعية لتكوين "طرف هجين" ينمو بشكل طبيعي.
وختم كوري تقريره برسالة أمل قوية، مشيراً إلى أن كسر العزلة العلمية والتعاون بين تخصصات الأحياء المختلفة كان المفتاح لهذا الاكتشاف، فالبشر، رغم أنهم لا يمتلكون قدرات السلمندر بشكل طبيعي، قد يمتلكون قريباً "الوصفة الجينية" التي تسمح لأجسادهم بإعادة تكوين أطرافها المفقودة.
اقرأ أيضًا:
تطوير طريقة جديدة لتحسين طعم وقوام مشروبات البروتين














