في تطور مفصلي يعيد تشكيل مرحلة كاملة من الخريطة العسكرية والسياسية في سوريا، أعلن مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تفكيك القوات رسميًا كقوة عسكرية مستقلة ودمج كامل مقاتليها وهياكلها ضمن ألوية الجيش السوري.
وجاء هذا الإعلان في خطاب متلفز ألقاه عبدي من القصر الرئاسي بالعاصمة دمشق، مؤكدًا استكمال إجراءات الاندماج بعد أشهر من المفاوضات الإدارية والعسكرية المعقدة التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نهاية يناير الماضي، وبذلك تطوى صفحة التنظيم العسكري شبه المستقل الذي أدار مناطق واسعة شمال وشمال شرق البلاد لسنوات.
ما قوات قسد؟
وقسد تحالف عسكري متعدد الأعراق، تشكّل عام 2015 خلال الحرب الأهلية السورية، بهدف رئيسي هو محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وتضمّ هذه القوات مقاتلين من خلفيات ثقافية متنوعة، من بينهم أكراد وعرب وتركمان وآشوريون وأرمن، وقد انبثقت من ميليشيات سابقة كانت متحالفة مع الولايات المتحدة.
وبعد أن لعبت دورًا محوريًا في هزيمة داعش بحلول مارس 2019، أصبحت قسد القوة العسكرية الرسمية للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وهي منطقة تُعرف بين سكانها باسم روج آفا، وتتألف هذه المنطقة من أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي وتسعى إلى الاستقلال عن الحكومة المركزية السورية.
تُعرف قوات سوريا الديمقراطية بتنوع تكوينها، وتهدف إلى تعزيز التعاون بين مختلف الجماعات العرقية والدينية في سوريا، ورغم نجاحاتها في مواجهة تنظيم داعش، لا تزال هذه القوات تواجه ديناميكيات إقليمية معقدة، بما في ذلك التوترات المستمرة مع تركيا وقوات عسكرية أخرى في المنطقة.
وقد رأت الولايات المتحدة في تشكيل هذا التحالف وسيلةً محتملةً لإرساء نظام حكم أكثر ديمقراطية في سوريا، إلا أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة قد شكلت تحدياتٍ لاستقرار قوات سوريا الديمقراطية وأمنها، لا سيما في أعقاب التغيرات في الوجود العسكري الأمريكي والتوغلات التركية.
تحولات الميدان وتغير موازين القوى
وتأتي هذه الخطوة كترجمة ميدانية لتغيرات جذرية شهدتها البلاد منذ التحولات السياسية في دمشق أواخر عام 2024 وسقوط النظام السابق، وأوضح عبدي في كلمته أن الظروف التي اقتضت نشأة القوات وحمايتها للمدن قد تغيرت، لتفضي المرحلة الجديدة إلى خيار التكادُم والاندماج الشامل مع الدولة.
ويمثل هذا الاندماج خطوة محورية للسلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع في سبيل بسط السيطرة على كامل التراب السوري، لكنه يقضي في الوقت نفسه على طموحات الحكم الذاتي الكردي المستقل، ومقابل تسليم مقاتلي "قسد" والمؤسسات المدنية والسيطرة على الحقول النفطية والزراعية الحيوية لدمشق، حصل المكون الكردي على مرسوم غير مسبوق يكرس حقوقهم الوطنية ويعترف باللغة الكردية رسميًا في المؤسسات التعليمية، إضافة إلى منح مناصب حكومية لكل من مظلوم عبدي وإلهام أحمد، كما تضمن الاتفاق التزامًا بإبعاد القيادات والكوادر غير السورية التابعة لحزب العمال الكردستاني، استجابةً للمخاوف والترتيبات الأمنية الإقليمية ولا سيما مع تركيا.
ترحيب دولي ومواقف إقليمية
ولقي الاتفاق تفاعلًا واسعًا على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث وصفت الولايات المتحدة عبر مبعوثها الخاص توم باراك الخطوة بأنها "حدث تاريخي" يجسد مسار "جيش واحد وحكومة واحدة"، مشيدة بنجاح الوساطة الأمريكية في تحقيق اندماج سلمي يحفظ حقوق جميع الأطراف.
ومن جانبها، رحبت وزارة الخارجية في المملكة بانضمام "قسد" إلى الهياكل العسكرية الرسمية، مؤكدة دعمها للخطوات كافة التي تتخذها الحكومة السورية للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها وتنميتها.
تحديات الضبط والتطبيق العملي
ورغم حالة التفاؤل المعلنة، تظل العملية أمام اختبارات ميدانية حاسمة تتجاوز قاعات المؤتمرات الصحفية، إذ تتجه الأنظار نحو كيفية استيعاب المؤسسات الإدارية والقضائية والتعليمية الموازية التي بناها الأكراد على مدار عقد، ومدى قبول المقاتلين السابقين بالشروط المعروضة.
كما تتجه الأنظار إلى التقييم التركي لمستوى التفكيك الفعلي لهياكل "قسد"، إلى جانب كيفية تعامل دمشق مع الضغوط والتطورات العسكرية الأخيرة على حدودها الجنوبية، ما يجعل الأشهر المقبلة الحاسمة في تحديد شكل سوريا الجديدة الموحدة.














