اعتبر وزير العمل الأمريكي الأسبق والكاتب روبرت رايش أن تعامل قادة دول حلف شمال الأطلسي "الناتو" مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال القمة الأخيرة يعكس، من وجهة نظره، السبب الحقيقي لنفوذه، مشيرًا إلى أن هذا النفوذ لا يرتبط بمنصبه أو بقدراته السياسية، بل باستعداده لتجاوز الأعراف والقواعد بما يحقق مصالحه.
وأضاف رايش أن القمة شهدت انتقادات وجهها ترامب إلى عدد من أعضاء الحلف، إذ أعرب عن استيائه من مساهماتهم داخل الناتو، وجدد حديثه عن رغبته في السيطرة على غرينلاند، كما انتقد سياسات أوروبية تتعلق بالطاقة والهجرة، وهاجم إسبانيا، وأثار قلق الحلفاء عندما قال إن الحرب بين روسيا وأوكرانيا "لا تؤثر علينا".
مصدر قوة ترامب
قال رايش إن الطريقة التي تعامل بها قادة الناتو مع ترامب لم تكن نابعة، بحسب رأيه، من اتفاقهم مع مواقفه، وإنما من خشيتهم من ردود أفعاله إذا لم يحصل على ما يريد، وهو ما اعتبره المصدر الحقيقي لنفوذه.
ورأى أن قوة ترامب لا تستند إلى رئاسته لأقوى دولة في العالم، معتبرًا أن الرسوم الجمركية التي فرضها، والحرب مع إيران، وعددًا من سياساته الخارجية أضرت، من وجهة نظره، بصورة الولايات المتحدة على الساحة الدولية.
وأضاف أن هذا النفوذ لا يعود أيضًا إلى قاعدة مؤيديه، موضحًا أن بعض أنصار حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" (MAGA) بدأوا، بحسب رأيه، في مراجعة مواقفهم، بعد انخراط الولايات المتحدة في حرب جديدة بالشرق الأوسط، وارتفاع الأسعار، واستمرار الجدل بشأن عدم نشر ملفات جيفري إبستين كاملة.
كما رفض رايش تفسير نفوذ ترامب بامتلاكه قدرات استراتيجية استثنائية، معتبرًا أن السبب الحقيقي، وفقًا لرؤيته، هو استعداده لتجاوز الأعراف والقوانين والاتفاقيات متى رأى أن ذلك يحقق له مكاسب سياسية أو شخصية.
واستشهد الكاتب بتصريحات ترامب الأخيرة بشأن كأس العالم، عندما قال إنه إذا خسرت الولايات المتحدة أمام بلجيكا فسيعتبر المباراة مزورة، كما وصف انتخابات عام 2020 من قبل بأنها مزورة، معتبرًا أن هذه التصريحات تعكس، من وجهة نظره، عدم اكتراث ترامب بالأعراف والمعايير التقليدية.
كسر الأعراف وتحمل الآخرين للتكلفة
وشبّه رايش هذا النهج بشخص يعيش في بلدة لا يغلق سكانها أبواب منازلهم اعتمادًا على الثقة المتبادلة، فيستغل تلك الثقة ليحقق مكاسب من خلال السرقة، بينما يضطر الجميع بعد ذلك إلى تحمل تكلفة تركيب الأقفال وتشديد إجراءات الحماية.
واعتبر أن هذا المثال يوضح، بحسب رأيه، أسلوب ترامب في التعامل مع السياسة، إذ يحقق مكاسب من خلال كسر القواعد المتعارف عليها، بينما تتحمل المؤسسات والدول لاحقًا تكلفة معالجة آثار تلك التصرفات وإعادة بناء الثقة.
وأضاف أن وصف تصرفات ترامب بأنها مجرد مخالفة للمعايير الأخلاقية لا يعكس، في رأيه، طبيعة نهجه، موضحًا أنه لا ينطلق من معايير أخلاقية متفق عليها، وإنما يركز على تحقيق الفوز مهما كانت الوسائل.
وأشار رايش إلى أن هذا الأسلوب ألحق، وفقًا لرؤيته، ضررًا بعدد من المؤسسات التي تقوم على الثقة والالتزام بالقواعد، ومن بينها حلف الناتو، والاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، ووزارة العدل الأمريكية، معتبرًا أن هذه المؤسسات ستحتاج إلى وقت وجهد لإعادة ترميم الثقة التي تعرضت للاهتزاز.
وفي ختام مقاله، رأى رايش أن ترامب سيظل من أكثر الرؤساء الأمريكيين تأثيرًا، لكنه اعتبر أيضًا أنه سيكون من بين الأكثر إثارة للجدل، مضيفًا أن آثار سياساته لن تنتهي بخروجه من السلطة، إذ ستتحمل المؤسسات والمجتمعات، بحسب وصفه، تكلفة إعادة بناء القواعد والأعراف التي جرى تقويضها خلال هذه المرحلة.











