بينما تتنافس 48 دولة على المجد الكروي، تخوض مجموعة أخرى مسارًا لا يقل مشقة وضراوة للوصول إلى المسرح الأكبر في عالم الساحرة المستديرة: إنهم حكام كأس العالم وقضاة الملاعب.
وفي نسخة هذا العام، جرى اختيار 52 حكمًا للساحة، و88 حكمًا مساعدًا، و30 حكمًا لتقنية الفيديو المساعد (VAR)؛ لتشكل هذه البعثة المكونة من 170 فردًا الأكبر تاريخيًا تماشيًا مع النظام الموسع الجديد للمونديال بإقامة 104 مباريات.
لكن خلف هذه الأرقام، تشتعل منافسة خفية بين الأطقم لنيل شرف إدارة القمة؛ إذ تعد تصفية الأسماء الموهوبة معيارًا معقدًا ترسمه لجنة التطوير والرقابة بالفيفا بمجرد إعلان أسماء الحكام المرشحين لإدارة حكام كأس العالم من كل قارة.
ووفقًا للاتحاد الدولي لكرة القدم، بدأت عملية الفرز الفني لهذه النسخة فور انتهاء مونديال قطر 2022؛ حيث خضع المرشحون لندوات مكثفة، واختبارات لياقة بدنية صارمة تفوق التدريبات الاعتيادية للاعبين لمجاراة فارق السن، مع مراقبة أدائهم محليًا وقاريًا عبر أطقم تحكيمية ثابتة يتم تقييمها كمجموعة واحدة.
ويشير الحكم المساعد السابق في نهائي 2014، ريناتو فافيراني، لشبكة CNN Sports إلى أن المفاضلة تعتمد على نظام تقييم تراكمي يقارن بدقة أداء المجموعات في المسابقات الكبرى مثل دوري أبطال أوروبا.
طرق اختيار حكام كأس العالم
ومع تقدم الأدوار، يتم تعيين الأسماء قبل اللقاء بـ 3 إلى 4 أيام، مع تطبيق حظر صارم يمنع الحكام من إدارة مباريات بلدانهم تجنبًا لتضارب المصالح؛ مما يمنع الفيفا من وضع قائمة مسبقة للأدوار الإقصائية ويترك اختيار طاقم حكام كأس العالم معلقًا بمدى خروج أو استمرار منتخباتهم الوطنية.
وتمثل لحظة الاستدعاء لإدارة المشهد الختامي ذروة المشاعر الجياشة؛ حيث يصف فافيراني لقطة وقوف رئيس الفيفا أمام الطواقم مجتمعة ليبسط ورقة التعيين ويقرأ اسم طاقم النهائي بأنها "أفضل لحظات الحياة"، والتي يتبعها فورًا ضغط نفسي حارق ومسؤولية بالغة تتطلب دراسة تكتيكات الفرق وخصائص اللاعبين سريعي الانفعال بدقة متناهية.
وقبل إدخال تقنية الفيديو عام 2018، كان الرهان كاملًا على العين المجردة والتركيز اللحظي؛ ويتذكر فافيراني كيف ألغى هدفًا لتوماس مولر في نهائي ألمانيا والأرجنتين 2014 بداعي التسلل بمسافة تقل عن 10 سنتيمترات.
وهو القرار الذي وصفته الصحف لاحقًا بـ "الحكم الروبوت" لدقته المتناهية بالمليمتر.
لكن هذا المجد الرياضي يخفي وراءه تضحيات إنسانية قاسية؛ حيث يوضح السويدي ليف ليندبرغ، حكم مساعد نهائي 2002، أن التوفيق بين الوظائف المدنية والتحكيم يأتي بتكلفة شخصية باهظة.
وأكد أن معظم الحكام في مستويات النخبة مروا بتجربة طلاق واحدة على الأقل نتيجة الغياب المستمر؛ فالوصول لقائمة حكام كأس العالم يتطلب قرابة 30 عامًا من الكفاح في دوريات الهواة.
وهذا يفرض ثقة مطلقة في أمانتهم وأخلاقهم لمواجهة حملات الإساءة الرقمية وصيحات الاستهجان من المراهنين والجماهير الغاضبة عبر منصات التواصل الاجتماعي.














