يشهد مسار العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تحولًا، في ظل التوتر المرتبط بالحرب على غزة وما وصفته صحيفة "الغارديان" البريطانية بـ "الإبادة الجماعية"، مشيرةً إلى الحرب مع إيران التي سرعت من تدهور العلاقة بين ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي.
وتزداد حساسية العلاقة بسبب احتمالات إنهاء الدعم الأمريكي غير المشروط للاحتلال، ما يُعد خطوة محورية للحد مما يصفه بـ"تواطؤ" واشنطن في جرائم الحرب الإسرائيلية، ما قد يحد من التصعيد العسكري المتواصل، كما يشكل شرطًا لأي أفق سياسي يتيح للفلسطينيين فرصة للتحرر من الاحتلال المستمر.
ارتباك العلاقة منذ "سيناء"
توضح الصحيفة البريطانية أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لم تكن دائمًا بالقدر نفسه من التقارب الذي تشهده العقود الأخيرة، فعند تأسيس إسرائيل عام 1948، اتسم الموقف الأمريكي بالدعم الحذر، إذ رفض الرئيس هاري ترومان تزويد الدولة الوليدة بالسلاح، وفي عام 1957، أجبر الرئيس دوايت أيزنهاور إسرائيل على الانسحاب من سيناء.
لكن هذا المسار تغيّر لاحقًا، خصوصًا بعد حربَي 1967 و1973، حين عزز الاحتلال موقعه الإقليمي، واستفاد خلال الحرب الباردة من تقديم نفسه كحاجز في مواجهة النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط.
حرب إيران وتفاقم الخلاف
وساهمت الحرب مع إيران في تسريع تراجع مكانة الاحتلال داخل الولايات المتحدة، وتتهم "الغارديان" نتنياهو بدفع ترامب إلى خوض الحرب دون خطة واضحة، ما أدى إلى تعقيد المشهد الإقليمي، بينما لم تحقق نتائج الحرب الحسم المتوقع.
كما تضيف أن تباين الأولويات بين الجانبين بات واضحًا، إذ تميل واشنطن إلى التهدئة والتركيز على الاتفاقات الاقتصادية في الخليج، في حين يواصل نتنياهو التركيز على المواجهة مع إيران.
داخل الحزب الجمهوري، يجد ترامب نفسه أمام انقسام بين تيار "أمريكا أولًا" الرافض للتدخلات العسكرية، وجناح تقليدي أكثر تشددًا تجاه إيران، وفي المقابل، بات الاحتلال يمثل عبئًا سياسيًا متزايدًا داخل الحزب الديمقراطي، حيث برز خطاب أكثر حدة تجاه إسرائيل، شمل انتقادات لجماعات ضغط مؤيدة لها، مع تغير واضح في المزاج الانتخابي.
تراجع مساءلة "الاحتلال" عن جرائمه
وترى "الغارديان" أن مساءلة الاحتلال الإسرائيلي داخل الدوائر السياسية الأمريكية أصبحت أكثر صعوبة خلال العقود الماضية، ويستشهد بتقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" عام 2021 بشأن نظام الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي لقي ترحيبًا واسعًا دوليًا، مقابل رفض واضح في واشنطن.
وواصلت إدارة الرئيس جو بايدن تقديم الدعم العسكري للاحتلال الإسرائيلي، رغم تعليق بعض شحنات القنابل الثقيلة، مع استمرار تدفق المساعدات ومبيعات السلاح، وينتقد في السياق ذاته مقاربة إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر رصيف عائم، في ظل تفاقم المجاعة.
ترامب ونتنياهو.. .. المستقبل السياسي
واتخذ الرئيس دونالد ترامب نهجًا أكثر تشددًا في التعامل مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مقارنةً بسلفه جو بايدن، فبينما تعامل بايدن مع إسرائيل ضمن مقاربة تقليدية قائمة على موازين القوى في الشرق الأوسط، لم يستخدم نفوذ واشنطن بشكل حاسم لوقف العمليات العسكرية في غزة، وفق النص.
في المقابل، دفع ترامب دفع باتجاه وقف إطلاق النار، واضطر نتنياهو إلى القبول به، قبل أن تتراجع الأولوية الأمريكية لاحقًا مع انشغال الإدارة بملفات أخرى، إلا أن التوترات عادت للتصاعد مع استمرار العمليات الإسرائيلية في غزة ومناطق أخرى.
كما يشير إلى أن نتنياهو تحدث عن ضرورة تقليص الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية خلال عقد من الزمن، لكنه يرى أن هذا التحول لن يكون قريبًا.
وقد يواجه نتنياهو خسارة انتخابية محتملة، مع ضرورة إجراء الانتخابات بحلول أواخر أكتوبر، في ظل تراجع شعبيته وتراكم ملفات الفساد، إلى جانب تداعيات 7 أكتوبر 2023، إلى أن استمرار السياسات الحالية سيبقي إسرائيل في حالة عزلة متزايدة.
المزاج الأمريكي.. ومستقبل الدعم للاحتلال
وشهدت المواقف داخل الولايات المتحدة تّجاه الاحتلال تحولًا ملحوظًا، إذ أظهرت استطلاعات مؤسسة بيو في أبريل أن 60% من البالغين الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه الاحتلال، بزيادة 7% عن العام الماضي و20% مقارنةً بعام 2022.
وتصل النسبة إلى 80% بين الديمقراطيين والمستقلين ذوي الميول الديمقراطية، وهي شريحة تضم غالبية اليهود الأمريكيين، أما داخل الحزب الجمهوري، فلا تزال الأغلبية مؤيدة للاحتلال، غير أن 57% من الفئة العمرية بين 18 و49 عامًا يعبرون عن مواقف سلبية.
ورغم ذلك يستمر الدعم الأمريكي غير المشروط، بحسب وجهة نظر "الغارديان"، وفقًا لسياسات الإفلات من المحاسبة، بينما قد يؤدي إنهاؤه إلى تغيير جوهري في سلوك الاحتلال.











