جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاحتفال بالذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة وعيد الاستقلال، ما يشبه الحملات الانتخابية، مستغلًا احتشاد آلاف الأمريكيين في ساحة "ناشونال مول" بالعاصمة واشنطن.
إذ ظهر ترامب لإلقاء خطاب مزج فيه بين الدعوات الواسعة للوطنية واستعراض التاريخ الأمريكي، وبين الهجمات الحادة على التهديدات الأيديولوجية المتصورة في الداخل والخارج، ما أضفى على المناسبة الرسمية طابعًا يشبه الحملات الانتخابية، حسب رويترز وcbsnews.
وشن ترامب هجومًا عنيفًا على ما وصفه بصعود الشيوعية في الولايات المتحدة، وهو ما فسره مراقبون بأنه هجوم مبطن على المرشحين الديمقراطيين اليساريين الذين فازوا بسلسلة من الانتخابات التمهيدية، والذي دأب على وصفهم بـ"الشيوعيين".
وحذر الرئيس الأمريكي من هذا التهديد قائلًا: "لم يحارب جنودنا الشيوعية في ساحات المعارك حول العالم ليعود هذا الخطر ويطل برأسه القبيح هنا في أمريكا، إنه مثل السرطان، ويجب استئصاله بسرعة".
واستغل الرئيس المنصة لحث الكونغرس على إقرار تشريع "إنقاذ أمريكا" المعلق، وهو القانون الذي يلزم الناخبين بإبراز بطاقة هوية وإثبات جنسيتهم الأمريكية للتسجيل والحد من التصويت عبر البريد، مؤكدًا: "لن يكون هناك غش في الانتخابات بعد الآن، الأمر في غاية البساطة"، ويواجه مشروع القانون هذا صعوبات عديدة و لم يحظ بالدعم الكافي لتمريره حتى الآن.
وتحدى الزوار درجات حرارة وصلت إلى 39 درجة مئوية، ما تسبب في إلغاء العديد من المسيرات والفعاليات في المنطقة، ولم تقتصر التحديات على موجة الحر، بل تسببت سلسلة من العواصف الرعدية في تأخير ظهور الرئيس لقرابة الساعتين، إذ أصدرت السلطات أوامر إخلاء مؤقتة للمتفرجين الذين احتموا بالمتاحف والمباني الحكومية القريبة قبل السماح لهم بالعودة.
وعلى الرغم من إعلان ترامب المسبق بأنه سيلقي خطابًا طويلًا جدًا لإظهار قدرته على فعل أي شيء، فإن الكلمة استمرت لأقل من 40 دقيقة، وهو زمن أقصر بكثير من خطاباته المعتادة.
وافتتح ترامب خطابه بالإشادة بالإنجازات التاريخية الكبرى لأمريكا، مستذكرًا الانتصارات الحربية، والهبوط على سطح القمر، والرحلة الرائدة للأخوين رايت، فضلًا عن إشادته بالنظام الحكومي العام، ورواد فضاء وكالة "ناسا"، وقوات الشرطة، والمزارعين، كما حرص الرئيس على تكريم المحاربين القدامى، وخص بالذكر أبطال الحرب العالمية الثانية، وأحد أوائل الضباط السود الذين قادوا فريقًا من القوات الخاصة في فيتنام، كما كرم ويليام هارفي كارني، الذي هرب من العبودية لينضم إلى جيش الاتحاد في الحرب الأهلية وأصبح أول رجل أسود يحصل على وسام الشرف.
ترامب يفتخر بإنجازاته الشخصية
وفي خطوة طمست الخطوط الفاصلة بين التاريخ الرسمي والإنجازات الشخصية، أدرج ترامب نجاحات إدارته ضمن السردية العسكرية التاريخية للبلاد، فبينما كان يتحدث عن تدمير الجيش الإيراني وتدهور الأوضاع في فنزويلا، قارن بين إغراق الأسطول الإسباني في خليج مانيلا تاريخيًا، والهجمات الأمريكية الأخيرة التي شُنت هذا العام ضد البحرية الإيرانية، زاعما بأن هذا يشبه إلى حد كبير انتصارهم الأخير بإغراق البحرية الإيرانية بأكملها، 159 سفينة في قاع البحر، كل ذلك في لحظة، حسب وصفه.
وأعاد الاحتفالا إلى الأذهان خرق ترامب للتقاليد الرئاسية، فباستثناء خطاب مماثل ألقاه في 2019، لم يخطب أي رئيس في ساحة ناشونال مول في الرابع من يوليو منذ عام 1951، إذ كان الرؤساء يتجنبون الظهور شخصيًا منعًا لتسييس المناسبة.
وأظهر استطلاع رأي حديث لرويترز/إبسوس أن غالبية الأمريكيين (بما في ذلك ثلاثة أرباع الديمقراطيين ونصف الجمهوريين) يرون أن احتفالات الذكرى الـ 250 أصبحت سياسية بشكل مفرط.
وقد تجسد هذا الانقسام في قيام مجموعة "فريدوم 250" التابعة لإدارة ترامب بتهميش الهيئة غير الحزبية التي تأسست عام 2016 للإشراف على اليوبيل الربع قرني، وقامت المجموعة بتسييج أجزاء واسعة من المركز التجاري لإقامة "معرض الولاية الأمريكي العظيم" الذي ضم شركات مقاولات دفاعية وجماعات محافظة، ونتيجة لهذا الطابع الحزبي، رفضت عدة ولايات ذات أغلبية ديمقراطية إرسال وفودها، وانسحب فنانون عديدون من المشاركة.
كما واجهت الفعاليات انتقادات بسبب رعاية "شاحنات الحرية" وتجمعات دينية مسيحية محافظة، إلى جانب تنظيم نزالات فنون قتال مختلطة في أراضي البيت الأبيض تزامنًا مع عيد ميلاد ترامب الثمانين في 14 يونيو، ورغم الانقسامات، شهدت الأيام الأخيرة تدفقًا جماهيريًا كبيرًا.
وعلى صعيد البنية التحتية للعاصمة، جاءت مساعي ترامب لإعادة تصميم المساحات العامة بنتائج متفاوتة، فرغم تجديد بعض النوافير والتماثيل، واجه مشروع ترميم بركة انعكاسات نصب لنكولن التذكاري، الذي تكلف 15 مليون دولار، مشاكل هيكلية، حيث تحيط بها الآن كاميرات المراقبة والجنود لمراقبة مياهها الملوثة بالطحالب وطلائها المتقشر.
واختتم الرئيس ترامب خطابه بنبرة متفائلة وواعدة، حيث أعلن أمام مناصريه أن هذه الذكرى التاريخية للاستقلال ما هي إلا مجرد فجر العصر الذهبي لأمريكا، مؤكدًا بثقة أن الأفضل لم يأت بعد.














