بعيدًا عن القاعات التاريخية المذهبة في "وستمينستر"، تحول مركز مجتمعي متواضع في بلدة "أشتون إن ميكرفيلد" بشمال إنجلترا إلى مركز الثقل الفعلي للسياسة في المملكة المتحدة، لتحديد مستقبل القيادة البريطانية.
ويخطط الفريق الحملاتي لعمدة مانشستر الكبرى، آندي بيرنهام، لعودته المرتقبة إلى البرلمان؛ وهي خطوة إن نجحت، فستضعه في مواجهة مباشرة لتحدي رئيس الوزراء الحاكم كير ستارمر على زعامة حزب العمال (وسط اليسار)، وإعادة تشكيل الخارطة السياسية للبلاد بالكامل.
حسم مستقبل القيادة البريطانية
يُنظر إلى بيرنهام على نطاق واسع بأنه السياسي الأكثر شعبية وقبولًا في بريطانيا اليوم، لكن القواعد الدستورية تمنعه من منافسة سلطة ستارمر المتآكلة ما لم يكن عضوًا حاليًا في مجلس العموم (MP).
وتكتسب هذه الانتخابات الفرعية المقررة يوم الخميس أهمية تاريخية، كونها تأتي في توقيت يواجه فيه ستارمر أسوأ أزمة سياسية عقب استقالة سبعة وزراء من حكومته إثر الهزيمة النكراء التي لحقت بحزب العمال في الانتخابات المحلية الماضية.
وهذا الأمر جعل كتلة انتخابية صغيرة لا تتجاوز 76,000 ناخب (أي ما يعادل 0.1% تقريبًا من إجمالي السكان) تمسك بيدها زمام الأمور وتتحكم في تحديد توازنات القوة وصياغة مستقبل القيادة البريطانية خلال المرحلة المقبلة.
ويعتقد الكثير من المخلصين لحزب العمال أن تغييرًا جذريًا في قمة الهرم هو السبيل الوحيد لإنقاذ الآفاق الانتخابية المتعثرة للحزب، لا سيما مع تشرذم قاعدته التقليدية وانجذابها نحو خيارات بديلة مثل حزب الخضر اليساري، أو حزب "إصلاح المملكة المتحدة" (Reform UK) اليمني الشعبي بزعامة نايجل فاراج.
ويحمل هذا المشهد أبعادًا وجودية للحزب؛ فإذا فشل بيرنهام، المُلقب بـ "ملك الشمال"، في التغلب على مرشح حزب الإصلاح، روبرت كينيون، في معقل عمالي تاريخي مثل ميكرفيلد، فلن يتبقى سوى أمل ضئيل لمرشحي الحزب الآخرين في الدوائر المماثلة، وهو الأمر الذي جعل العاصمة لندن تصوب أنظارها شمالًا ترقبًا لنتائج الصناديق التي ستحدد ملامح مستقبل القيادة البريطانية.
قيود الإنفاق العام
لقد نجح بيرنهام في حماية رصيده السياسي طوال عامين من خلال بقائه خارج أروقة وستمينستر، مما أبعده عن التراجع الحاد في شعبية حكومة ستارمر التي عجزت عن صياغة مفهوم واضح لـ "التغيير" الذي وعدت به وتراجعت عن سياسات رئيسية بسبب قيود الإنفاق العام.
ويمتلك بيرنهام كاريزما قوية ترتبط بنشأته في شمال غرب إنجلترا، ورغم خدمته السابقة لـ 16 عامًا كعضو برلمان ووزير للصحة في عهدي توني بلير وغوردون براون، إلا أنه أعاد تقديم نفسه كشخص من خارج المنظومة التقليدية منذ توليه عمودية مانشستر عام 2017، محولًا إياها إلى الاقتصاد الأسرع نمواً في البلاد.
لذا فهو يطرح "النهج المانشستري" (Manchesterism) كبديل إنقاذي يعيد صياغة مستقبل القيادة البريطانية عبر نقل السلطات للبلدات، وإعادة الخدمات الأساسية للسيطرة العامة، ودعم قطاع الأعمال.
تحولات مابعد العصر الصناعي
وتُعد دائرة ميكرفيلد نموذجًا كلاسيكيًا لبلدات ما بعد العصر الصناعي التي كانت تعتمد على مناجم الفحم ومصانع الصلب؛ فسكانها أكبر سنًا من المتوسط الوطني، ومعظمهم من ملك السكن الخاص، والأهم من ذلك أنها صوتت بكثافة لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit)، وهو ما يجعلها أرضاً خصبة لطروحات اليمين.
وتشهد المنطقة تحولًا سياسيًا؛ ففي الانتخابات المحلية الأخيرة، حقق حزب "إصلاح المملكة المتحدة" زلزالًا سياسيًا بانتزاعه 24 مقعدًا من أصل 25 في منطقة ويغان التابعة لها الدائرة، مستفيدًا من حالة خيبة الأمل من وعود الأحزاب التقليدية الكبرى (العمال والمحافظين) التي هيمنت على المشهد لقرن كامل.
ويركز خطاب اليمين الشعبي في حملته الحالية على ربط أزمات الخدمات وتراجع الفرص بملف الهجرة، مستغلًا حوادث أمنية أخيرة لتعزيز نفوذه.
في حين يواجه مرشح حزب الإصلاح منافسة داخلية من حزب "استعادة بريطانيا" (Restore Britain) اليميني المتطرف المدعوم من إيلون ماسك؛ مما يجعل الساحة ساحة اختبار حقيقي لمدى تماسك كتل اليمين في مواجهة نفوذ عمدة مانشستر الكبرى، الذي بات يهدد بشكل مباشر مستقبل القيادة البريطانية المتمثلة في ستارمر.
وفي الوقت الذي يبتعد فيه بيرنهام عن إعلان طموحاته القيادية صراحة احترامًا لقواعد المعركة الانتخابية الحالية، يرى مراقبون أن ميكرفيلد تمثل ميزاناً حقيقيًا لقراءة مستقبل القيادة البريطانية والتحولات العميقة في سلوك الناخب البريطاني.
وصناديق الاقتراع يوم الخميس لن تختار مجرد عضو برلمان يمثل بلدة شمالية، بل سترسم مسار الصراع القادم على زعامة حزب العمال ورئاسة الحكومة في دوانينغ ستريت.













