تتجه أنظار المراقبين والخبراء العسكريين نحو ممر مائي رئيس آخر لا يقل أهمية عن مضيق هرمز، وهو مضيق "ملقا" الذي يربط بين المحيطين الهندي والهادئ.
ويمثل مضيق ملقا ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي العالمي، حيث يمر عبره أكثر من ربع التجارة الدولية، بما في ذلك معظم إمدادات النفط المتدفقة من الخليج العربي إلى الأسواق الآسيوية الكبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
ويشعر القائمون على حماية هذا الممر بالقلق حيال السابقة التي أرساها وضع مضيق هرمز، معتبرين أن ما يحدث حاليًا قد يكون سينارية مُعدي لأي صراع مستقبلي محتمل بين الولايات المتحدة والصين في منطقة المحيط الهادئ.
نقطة خنق جغرافية
يعد مضيق ملقا أطول بخمس مرات وأضيق بعشر مرات من مضيق هرمز عند أضيق نقاطه، مما يجعله نقطة خنق جغرافية بامتياز. وتعتمد البضائع الصينية بشكل مفرط على هذا الممر، مما دفع بكين لقضاء عقود في البحث عن حل لما أسمته "معضلة ملقا" لتقليل اعتمادها على الواردات التي تمر عبره.
وتدرك واشنطن أن السيطرة على هذا الممر تعني امتلاك مفتاح الطاقة لحلفائها الآسيويين، مما يعزز من التواجد العسكري الأمريكي عبر الأسطول السابع. ويرى خبراء عسكريون أن أي أزمة مستقبلية قد تحول المضيق إلى بوابة حراسة، حيث يتم السماح لبعض السفن بالمرور ومنع أخرى وفقًا للمصالح السياسية والعسكرية للقوى المهيمنة، وهو ما يهدد تدفق التجارة الحرة عالميًا.
إدارة مضيق ملقا
على عكس مضيق هرمز الذي يفتقر لترتيبات إدارية رسمية بين دوله، يُحكم مضيق ملقا بسلسلة من الاتفاقيات المتينة بين سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وتايلاند.
وتغطي هذه الاتفاقيات الدوريات البحرية المنسقة والمراقبة الجوية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتبذل هذه الدول جهودًا دبلوماسية لإبقاء المضيق معزولًا عن المواجهات الجيوسياسية بين القوى العظمى، مؤكدة على حق المرور العابر المضمون للجميع وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
ورغم بروز بعض الأفكار المتأثرة بالنموذج الإيراني مثل فرض رسوم عبور، إلا أن الدول المطلة سارعت لنفي هذه المقترحات، مدركة أن اقتصاداتها تعتمد بشكل كلي على بقاء الممر مفتوحًا، وأي تعطل في مضيق ملقا سيجبر السفن على اتخاذ طرق بديلة مكلفة جدًا تستغرق أيامًا إضافية، مثل الالتفاف حول الأرخبيل الإندونيسي بالكامل.
ورغم أن الخبراء يرون أن إغلاق مضيق ملقا يمثل إزعاجًا تجاريًا كأزمة هرمز، إلا أن التداعيات الاقتصادية ستكون هائلة على سلاسل الإمداد العالمية، وتعمل دول المنطقة على مضاعفة الجهود الدفاعية والدبلوماسية لضمان عدم تكرار سيناريو هرمز في مياهها.
ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة سنغافورة وحلفائها على موازنة العلاقات مع واشنطن وبكين، ومنع تحول هذا الشريان الحيوي إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، مما يضمن استمرار تدفق النفط والبضائع إلى قلب آسيا.












