في غضون أقل من عامين، شهد المشهد السياسي البريطاني تحولًا دراماتيكيًا، وضع منصب رئيس الوزراء كير ستارمر على المحك، حيث انتقل حزب العمال الحاكم من نشوة الفوز الساحق في الانتخابات العامة إلى تكبد هزيمة تاريخية في الانتخابات المحلية والإقليمية الأخيرة.
يأتي هذا في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية صعوبات مماثلة، إلا أن الحالة البريطانية تبدو أكثر اضطرابًا في العقد الذي تلا التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي.
صعوبات بالغة تواجه ستارمر
ورغم أن ستارمر قدم نفسه بصفته زعيمًا قادرًا على إحداث التغيير المنشود، إلا أنه واجه صعوبات بالغة في ترجمة وعوده إلى واقع ملموس، مما أدى إلى تصاعد موجات الغضب الشعبي وتوجيه سهام النقد إلى شخصه وسياساته.
يأتي الاقتصاد وتكلفة المعيشة في طليعة الأسباب التي أججت إحباط الشارع البريطاني، حيث يسود شعور متزايد بتراجع مستويات المعيشة الحالية والآفاق المستقبلية لدى العديد من الأسر.
وتظهر البيانات الاقتصادية تفاوتًا كبيرًا في الدخل، مع اتساع الفجوة بين الطبقة الثرية وبقية المجتمع بشكل لافت، في الوقت الذي أثبت التضخم أنه أكثر "صلابة" في بريطانيا مقارنة بدول الجوار، مما دفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة تسببت في زيادة أعباء القروض العقارية.
كما أن الاعتماد الكبير على الغاز جعل الاقتصاد البريطاني يتأثر بشدة من تداعيات الحرب في إيران، تزامنًا مع وصول العبء الضريبي إلى مستويات تاريخية لم يشهدها الناخبون قديمًا، مما أثار غضب الممولين والطبقة العاملة على حد سواء في كافة أرجاء البلاد.
جدل حول ملف الهجرة
ولا يقل ملف الهجرة واللجوء خطورة عن الملف الاقتصادي، إذ يعد من أكثر الموضوعات استقطابًا في السياسة المحلية البريطانية، ورغم الوعود التي أطلقت وقت "البريكست" باستعادة السيطرة على الحدود، إلا أن صافي المهاجرين وصل إلى مستويات قياسية، مما منح حركات سياسية مناهضة للهجرة زخمًا كبيرًا في الشارع.
وفي الوقت نفسه، تعاني الخدمات العامة من تآكل مستمر نتيجة سنوات طويلة من سياسات التقشف، وتحديدًا نظام الرعاية الصحية الوطني الذي يمر بنقطة انهيار حقيقية.
فرغم الجهود المبذولة لتقليل قوائم الانتظار، إلا أنها لا تزال أعلى من مستويات ما قبل الجائحة، مع وجود نقص حاد في الكوادر الطبية والموارد اللازمة لتشغيل المرفق الصحي بكفاءة عالية، مما جعل المواطن يشعر بفقدان الأمان الصحي تمامًا.
تدهور حالة الطرق
برزت قضايا محلية قد تبدو صغرى لكنها تؤثر بعمق في معنويات الجمهور، مثل تدهور حالة الطرق وانتشار الحفر التي باتت قضية رأي عام ومادة دسمة لوسائل الإعلام المحلية.
وترافق ذلك مع قلق حقيقي من تزايد معدلات الجريمة، وخصوصًا سرقة المتاجر، في ظل انخفاض معدلات الإدانة والتأخير في تحقيق العدالة بسبب نقص موارد النيابة العامة والقضاء.
وهذا المزيج المعقد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية خلق بيئة من الاستياء العام، مما يجعل حكومة ستارمر أمام اختبار وجودي يتطلب حلولاً جذرية تتجاوز الشعارات الانتخابية، لضمان استقرار البلاد وتجنب مزيد من الانزلاق نحو المجهول سياسياً واجتماعياً في المستقبل القريب جداً.













