تسعى واشنطن خلال القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين، إلى تعزيز مكانة ترامب على الساحة الدولية مرة أخرى، إذ بات النفوذ الأمريكي يواجه تهديدًا خاصةً في ظل تداعيات الحرب مع إيران.
"الأكثر اضطرابًا"
تأتي القمة في ظرف دولي وصفه المحللون بأنه "الأكثر اضطرابًا" منذ انفتاح العلاقات الأمريكية الصينية في سبعينيات القرن الماضي خلال عهد الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون.
لم تعد الاجتماعات بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم تدور فقط حول إدارة التنافس أو تثبيت الاستقرار، بل أصبحت تُعقد وسط حالة من التوترات الجيوسياسية والاقتصادية التي ساهمت سياسات ترامب نفسها في تعميقها، بحسب شبكة "سي. إن. إن" الأمريكية.
وعلى مدار سنوات، ارتبطت القمم الأمريكية الصينية بمحاولات احتواء الخلافات وحماية التوازن الدولي، غير أن ترامب تبنى نهجًا مختلفًا أعاد فيه تشكيل قواعد النفوذ الأمريكي، سواء عبر الحروب التجارية أو إعادة النظر في التحالفات التقليدية والنظام الاقتصادي العالمي.
وبينما يعتبر أنصاره هذا النهج تعبيرًا عن "القوة الأمريكية المباشرة"، يرى منتقدوه أنه أضعف أدوات النفوذ التي بنتها واشنطن لعقود، في وقت تتوسع فيه الصين اقتصاديًا وسياسيًا.
صراع القوة.. مَن سيربح؟
بينما زاد القتال مع إيران من الضغط على الجانب الأمريكي في القمة، بعدما تحولت من ورقة ضغط أمريكية إلى أزمة مفتوحة ذات كلفة اقتصادية وسياسية، فالتصعيد في الخليج، وخاصةً التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، أعاد طرح تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على إدارة الأزمات الدولية دون انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
وفي هذا السياق، تبدو بكين أمام فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي، خصوصًا أن واشنطن تحتاج إلى دور صيني محتمل في احتواء التصعيد مع طهران، في وقت تخشى فيه الصين من أي اضطراب طويل في إمدادات الطاقة الآتية عبر الخليج.
فيما يرى مراقبون أن أي تحرك دبلوماسي صيني في هذا الملف لن يكون مجانيًا، بل قد يرتبط بملفات أكثر حساسية بالنسبة لبكين مثل ملفي التجارة أو تايوان.
قمة تجارية أم ورقة ضغط "جامحة"؟
وقال رئيس كرسي فريمان للدراسات الصينية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إدجارد كاغان إن الحرب الإيرانية تضيف "ورقة جامحة" إلى قمة كانت مُعدة أساسًا لمناقشة الملفات الاقتصادية والتجارية، بينما اعتبر مسؤول أمريكي سابق أن الظروف الحالية "ليست مثالية" لقمة بين قوتين عظميين.
كما يرى محللون أن بكين وطهران نجحتا خلال الفترة الماضية في كشف حدود أسلوب ترامب القائم على التصعيد السريع والضغط المباشر، فالصين استخدمت نفوذها في سوق المعادن الأرضية النادرة للرد على الرسوم الجمركية الأمريكية.
بينما أظهرت إيران قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ما انعكس على الداخل الأمريكي من خلال ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية.
ورغم هذه التعقيدات، لا يبدو أن أيًّا من الطرفين يرغب في فشل القمة؛ فترامب يسعى إلى تحقيق اختراق دبلوماسي يخفف الضغوط المتزايدة عليه داخليًا وخارجيًا، بينما تريد الصين تجنب مزيد من الاضطرابات الاقتصادية العالمية، خاصةً في ملف الطاقة والتجارة.
أوجه الشبه والاختلاف بين سياسة الرئيسين
وفي المقابل، تمنح طبيعة النظام السياسي الصيني الرئيس "شي" هامشًا أوسع للتحرك على المدى الطويل مقارنة بترامب، الذي يواجه ضغوطًا سياسية وانتخابية متصاعدة.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن التشابه في أسلوب "الزعيمين"، القائم على إظهار القوة والتشدد في الملفات الاستراتيجية، قد يفتح الباب أمام تفاهمات مؤقتة، حتى وإن ظلت الخلافات الجوهرية قائمة.
ويرى المحللون أن قمة بكين اختبارًا مزدوجًا؛ ليس فقط لمستقبل العلاقات الأمريكية الصينية، بل أيضًا لقدرة ترامب على إدارة الأزمات التي ساهمت سياساته في تعقيدها، في وقت تحاول فيه الصين استثمار هذا الارتباك لتعزيز موقعها على الساحة الدولية.










