بعد أكثر من شهرين على اندلاع مواجهة عسكرية ودبلوماسية معقدة مع إيران، تبدو الأزمة مفتوحة على مزيد من التصعيد دون مؤشرات واضحة على حسم قريب، في ظل غياب اختراق سياسي أو عسكري قادر على تغيير مسار الصراع بشكل جذري.
جمود سياسي وعسكري
ووفقًا لـ"رويترز" فرغم قرارت التصعيد المتواصلة، لا يزال كل طرف متمسكًا بمواقفه، مع استمرار حالة الجمود في قنوات التفاوض، حتى بعد طرح طهران مبادرات جديدة لاستئناف الحوار، قابلها رفض سريع من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويثير استمرار هذا الوضع تداعيات متزايدة داخل الولايات المتحدة، حيث ينعكس امتداد الأزمة على الأوضاع الاقتصادية، لا سيما أسعار الطاقة، ما يضيف أعباء سياسية على الإدارة الأمريكية، في وقت تشهد فيه استطلاعات الرأي تراجعًا في شعبية ترامب، وسط مخاوف من تأثيرات مباشرة على فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة.
ويشير مراقبون إلى أن استمرار التوتر دون تسوية قد يطيل أمد الاضطراب في الأسواق العالمية، مع بقاء أسعار الوقود تحت ضغط مستمر، وهو ما يعمّق حالة عدم اليقين الاقتصادي.
حرب بلا نتائج حاسمة
رغم مرور أسابيع على التصعيد العسكري والدبلوماسي بين واشنطن وطهران، لا تزال نتائج المواجهة بعيدة عن تحقيق الأهداف السياسية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية منذ بداية العمليات، وسط مؤشرات على تعقّد مسار الأزمة واتساع فجوة التفاوض.
وبحسب تطورات المشهد، فإن الضربات الأمريكية والإسرائيلية، رغم تأثيرها على البنية العسكرية الإيرانية، لم تنجح في تحقيق التحولات الاستراتيجية المرجوة، سواء فيما يتعلق بإعادة تشكيل سلوك طهران الإقليمي أو دفع ملفها النووي نحو تسوية نهائية، في ظل استمرار الخلاف حول أولويات التفاوض وترتيب الملفات العالقة.
وتزايدت المخاوف من دخول الأزمة مرحلة طويلة من الجمود، خصوصًا بعد تعطّل مسارات تفاوضية وإلغاء تحركات دبلوماسية كانت مخصصة لبحث سبل التهدئة، إلى جانب رفض متبادل لمقترحات هدنة مؤقتة، ما أسهم في إبقاء حالة التوتر عند مستويات مرتفعة.
وفي المقابل، طرحت طهران مقاربات تفاوضية تقوم على فصل الملفات، بما في ذلك تأجيل الملف النووي إلى ما بعد التوصل إلى تفاهمات أوسع بشأن إنهاء العمليات العسكرية وإعادة فتح الممرات البحرية، إلا أن هذه الطروحات قوبلت برفض أمريكي، مع إصرار على دمج الملف النووي ضمن أي تسوية منذ البداية.
وسُجلت خلال الفترة الأخيرة محاولات غير مباشرة لإعادة فتح قنوات التواصل عبر وسطاء إقليميين، ما انعكس على تحركات الأسواق، خاصة أسعار النفط التي شهدت تقلبات مرتبطة بتطورات الملاحة في الممرات الحيوية، في وقت تتواصل فيه حالة الترقب بشأن إمكانية استئناف التفاوض.
سيناريوهات عسكرية
أفاد مسؤول في البيت الأبيض، طلب عدم الكشف عن هويته، بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدرس خيارات تصعيد إضافية في ظل غياب مسار واضح لإنهاء المواجهة مع إيران، بما في ذلك بحث فرض حصار بحري ممتد يهدف إلى زيادة الضغط على صادرات النفط الإيرانية ودفع طهران نحو اتفاق يتعلق ببرنامجها النووي.
ووفق المصدر ذاته، طُرحت في اجتماعات داخلية سيناريوهات متعددة، من بينها استمرار سياسة الضغط الاقتصادي لفترة قد تمتد لأشهر، إلى جانب إبقاء خيار التحرك العسكري قائمًا، في حال تعثر المسار السياسي. كما لم يُستبعد اللجوء إلى عمليات محدودة تشمل ضربات "سريعة ومركزة"، أو تحركات تهدف إلى إعادة تأمين ممرات الملاحة في المنطقة.
من جانب آخر، أشار دبلوماسيون أوروبيون إلى أن العواصم الغربية تتوقع استمرار حالة الجمود في الملف الإيراني خلال المرحلة المقبلة، في ظل تباعد المواقف بين الأطراف المعنية وصعوبة التوصل إلى تسوية سريعة، مؤكدين أن احتمالات الحسم القريب تبدو محدودة.
ويواصل التوتر في الممرات البحرية الحيوية التأثير على أسواق الطاقة العالمية، مع تراجع انسيابية الشحنات عبر المضيق الذي تمر منه نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد.
وفي هذا الإطار، أوضح جون ألترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية: "أدركت إيران أنه حتى في حالة ضعف، يمكنها إغلاق المضيق متى شاءت. هذه المعرفة تجعل إيران أقوى مما كانت عليه قبل الحرب".
ضغوط داخلية وتداعيات إقليمية
رغم الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت إيرانية في يونيو الماضي، تشير تقديرات إلى أن جزءًا من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال موجودًا في مواقع غير معلنة، ما يترك احتمال استعادته ومعالجته قائمًا لاحقًا، في ظل استمرار الجدل حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني.
وفي المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية، مطالبةً باعتراف دولي بحقها في تخصيب اليورانيوم، بينما تصر واشنطن على أن الهدف الأساسي للعمليات العسكرية هو منع إيران من الوصول إلى قدرات نووية عسكرية بشكل نهائي.
وفي السياق ذاته، قالت متحدثة البيت الأبيض إن الإدارة الأمريكية ترى أنها حققت أهدافها العسكرية أو تجاوزتها، بما في ذلك الحد من التهديد النووي الإيراني، في حين لا تزال أهداف أخرى معلنة، مثل وقف دعم إيران لجماعات مسلحة إقليمية، بعيدة عن التحقق.
ورغم التصريحات الأمريكية الرسمية التي تنفي تحول الصراع إلى استنزاف طويل الأمد، تشير تقديرات داخلية إلى أن التوقعات الأولية لإنهاء العمليات خلال أسابيع لم تتحقق، ما يعكس تعقيد المشهد الميداني والسياسي.
فمع تعثر مسار المفاوضات ووصولها إلى طريق شبه مسدود، يرى محللون أن الصراع قد يتجه نحو حالة “تجميد” طويلة الأمد يصعب معها التوصل إلى تسوية نهائية، وهو ما قد يحدّ من قدرة إدارة ترامب على تنفيذ خطط تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تواجه واشنطن أعباء استراتيجية متزايدة، من بينها توتر العلاقات مع حلفائها الأوروبيين الذين لم يُشركوا في قرار خوض الحرب، إلى جانب انتقادات أمريكية لحلف شمال الأطلسي بسبب عدم تقديم دعم بحري كافٍ لفتح الممرات الملاحية، وهو ما ترافق مع حديث عن احتمال إعادة تموضع القوات الأمريكية في ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا.
ميدانيًا، تتعامل الإدارة الأمريكية مع واقع سياسي وعسكري أكثر تعقيدًا داخل إيران، حيث يبرز دور الحرس الثوري في قيادة المرحلة بعد خسائر كبيرة طالت شخصيات بارزة، فيما لم تنجح دعوات واشنطن المبكرة لتغيير النظام في تحفيز أي تحرك داخلي واسع.
على الصعيد الداخلي، يواجه ترامب ضغوطًا سياسية متصاعدة في ظل تراجع نسب التأييد وارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات قياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي، ما يضع الحزب الجمهوري أمام اختبار انتخابي صعب.
وفي المقابل، تؤكد مصادر في البيت الأبيض أن الرئيس يركز على الحفاظ على الغالبية البرلمانية، معتبرة أن ارتفاع أسعار الطاقة “اضطراب مؤقت” مرشح للتراجع مع تهدئة الأوضاع.
اقرأ أيضًا:
ترامب يلوّح بخيار التصعيد العسكري ضد إيران "إذا أساءت التصرف"
بعد سحب قوات من ألمانيا.. ما حجم الجيش الأمريكي في أوروبا؟
رد إيراني جديد على اتفاق السلام وترامب يبدي تحفظه












