يشير تزامن اتفاقين لوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط وفتح مضيق هرمز إلى احتمال تهيئة الظروف أمام تحولات كبرى على المسار السياسي، وسط تساؤلات متزايدة حول إمكانية تحقيق اختراقات تاريخية في ملف العلاقات مع إيران.
ورغم أن اتفاقي التهدئة في كل من إيران ولبنان يُنظر إليهما باعتبارهما غير مستقرين بطبيعتهما، فإن تراجع حدة المواجهات العسكرية أعاد فتح نافذة تجمع بين فرص التقدم ومخاطر الانتكاس في آن واحد.
وجاء الإعلان عن هدنة تمتد لعشرة أيام بين إسرائيل وحزب الله، المدعوم من إيران، ليُفسَّر على نطاق واسع باعتباره مكسبًا لطهران، التي كانت قد ربطت بشكل صريح بين وقف القتال في لبنان وإمكانية إحراز تقدم في حوارها مع الولايات المتحدة. ومع بدء تنفيذ وقف إطلاق النار، أعلنت إيران إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، في خطوة تحمل دلالات مباشرة على ارتباط الملفين العسكري والدبلوماسي.
وأظهرت جولات التفاوض المكثفة التي عُقدت في إسلام آباد مؤخرًا أن تحقيق تقدم كان ممكنًا حتى مع استمرار المواجهات في لبنان، حيث تجنبت إسرائيل تصعيد عملياتها ضد بيروت، غير أن كلًا من إيران وباكستان شددتا على ضرورة إدراج الساحة اللبنانية ضمن أي تفاهم شامل، وهو ما تحقق لاحقًا.
استياء في الداخل الإسرائيلي
أثار هذا التطور استياء داخل إسرائيل، خاصة في المناطق القريبة من الحدود الشمالية، حيث اعتبر بعض السكان أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خضع لضغوط أمريكية، بدلًا من ضمان تحييد تهديدات حزب الله بشكل كامل. وترى أطراف داخل إسرائيل أن التهدئة الحالية تخدم المصالح الإيرانية، إذ تمنح طهران مساحة أكبر للتأثير في مجريات الأحداث الإقليمية.
وفي هذا السياق، اعتبرت تحليلات إعلامية إسرائيلية أن الاتفاق يعكس قبولًا ضمنيًا بدور إيران في الساحة اللبنانية، ويكرّس نفوذها المستمر على مجريات الأمور هناك. في المقابل، تشير المعطيات إلى أن مختلف الأطراف المنخرطة في هذه الأزمة حصلت على مكاسب متفاوتة من الترتيبات الأخيرة؛ إذ يمكن للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقيادة الإيرانية تقديم الهدنة باعتبارها إنجازًا سياسيًا.
كما يستطيع نتنياهو الإشارة إلى استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، في وقت بدأت فيه الحكومة اللبنانية الدخول في محادثات مباشرة مع إسرائيل بعد فترة طويلة من الجمود. أما حزب الله، فأعلن التزامه بالهدنة مع تأكيده أنه لم يتعرض للهزيمة، وأن مسألة نزع سلاحه ليست مطروحة في المرحلة الحالية، وربط ذلك بشروط تشمل وقفًا دائمًا لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار.
هل اتفاق السلام قريب؟
من ناحية أخرى، يرى خبراء أن وقف إطلاق النار قد يفتح المجال أمام استمرار الحوار المباشر بين إسرائيل ولبنان، لكن التوصل إلى اتفاق سلام يظل معقدًا بسبب قضايا عالقة، أبرزها ترسيم الحدود، ومستقبل سلاح حزب الله، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية. ولا تزال العلاقة بين البلدين محكومة بحالة عداء ممتدة منذ عام 1948، في ظل غياب أي علاقات دبلوماسية رسمية.
ومع ذلك، تشير بعض التقديرات إلى أن المحادثات المباشرة التي جرت مؤخرًا في واشنطن بين ممثلين عن الجانبين قد تعكس بداية تحول في موازين القوى الإقليمية، مع احتمال تراجع النفوذ الإيراني في لبنان تدريجيًا. في الوقت ذاته، يبقى مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاه التطورات المقبلة.
ومن المتوقع أن تتصدر قضايا الحد من النفوذ الإقليمي الإيراني، ودعم طهران لحلفائها في المنطقة، جدول أعمال أي جولة تفاوضية جديدة، خاصة من منظور إسرائيل التي تسعى إلى تقليص هذا الدعم بشكل جذري. في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة للتخلي بسهولة عن أدوات نفوذها الإقليمية، ما يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بالمفاوضات.
كما تبرز ملفات أخرى شديدة الحساسية، مثل البرنامج النووي الإيراني ومستقبل مضيق هرمز، والتي تتطلب مفاوضات مطولة وشديدة التعقيد.
وفي هذا الإطار، يواصل ترامب التأكيد على اقتراب التوصل إلى اتفاق مع إيران، مشيرًا إلى إحراز تقدم في بعض الملفات، من بينها التعامل مع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما لم تؤكده طهران رسميًا، حيث نفت وجود أي مفاوضات تتعلق بتسليم مواد نووية للولايات المتحدة. ويُنتظر أن يشمل أي اتفاق نووي محتمل التزامات واضحة من جانب إيران بعدم تطوير سلاح نووي، إضافة إلى تحديد مدة القيود المفروضة على أنشطة التخصيب.
مضيق هرمز.. ورقة رابحة
في موازاة ذلك، يظل مضيق هرمز أحد أبرز أوراق الضغط الإيرانية، إذ تسعى طهران إلى إعادة تنظيم حركة الملاحة فيه وفق ترتيبات جديدة تمنحها، إلى جانب سلطنة عُمان، دورًا أكبر في الإشراف على الممر الحيوي. ورغم إعلان فتح المضيق خلال فترة الهدنة، فإن استخدام مسارات ملاحية جديدة قريبة من السواحل الإيرانية قد يثير مخاوف لدى شركات الشحن، في وقت تؤكد فيه الولايات المتحدة استمرار إجراءاتها ضد الموانئ الإيرانية.
وبينما أبدت الأسواق مؤشرات إيجابية تجاه هذه التطورات، لا تزال حالة الحذر قائمة، خاصة في أوساط قطاع النقل البحري. ورغم ما تحمله هذه المرحلة من إشارات إيجابية، فإن حجم القضايا المطروحة أمام المفاوضين كبير ومعقد، ويحتاج إلى وقت طويل لمعالجته. وتشير التجارب السابقة، مثل الاتفاق النووي المبرم عام 2015، إلى أن التوصل إلى تفاهمات شاملة مع إيران يتطلب مفاوضات ممتدة، خاصة أن ذلك الاتفاق استغرق نحو 20 شهرًا واقتصر على الملف النووي فقط، قبل أن تنسحب منه الولايات المتحدة لاحقًا.
وفي ظل هذه المعطيات، تتواصل الجهود الدبلوماسية بوتيرة متسارعة بعد أسابيع من التوتر، مدفوعة بتطورات وقف إطلاق النار في لبنان. ومع ذلك، يبقى التساؤل قائمًا حول ما إذا كانت هذه التحركات كافية لمنع عودة التصعيد مجددًا، في ظل تشابك المصالح وتعدد الملفات العالقة.
اقرأ أيضًا:
واشنطن تربط إنهاء الحصار البحري بصفقة شاملة مع طهران
إيران تعلن فتح مضيق هرمز خلال فترة الهدنة
أمريكا وإيران.. هل يمكنهما إعلان النصر في اتفاق سلام واحد؟











