تثير المواجهة الدائرة منذ أكثر من شهر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تساؤلات حول قدرة الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب على حسم المواجهة مع طهران، فعلى الرغم من الخطاب المتكرر الذي يشدد على تفوق واشنطن. ففي الوقت الذي يؤكد فيه ترامب أن أوكرانيا تفتقر إلى أوراق القوة في حربها مع روسيا، يواجه هو نفسه شكوكًا حول مدى متانة موقفه في الصراع الدائر مع طهران.
ومن الناحية النظرية، تبدو موازين القوى راجحة بشكل واضح لصالح الولايات المتحدة، التي تمتلك اقتصادًا هو الأكبر عالميًا، وجيشًا يُصنف الأقوى، إلى جانب تفوق ديمغرافي ملحوظ مقارنة بإيران. كما يعزز هذا التفوق الدعم الإسرائيلي، سواء عبر القدرات العسكرية أو الاستخباراتية المتقدمة، ما يجعل الصراع في ظاهره غير متكافئ. إلا أن إيران نجحت في توظيف قدراتها المحدودة بطريقة فعالة، محولة إياها إلى أدوات ضغط مؤثرة على المصالح الأمريكية. ورغم الضغوط الداخلية الكبيرة التي يتحملها المجتمع الإيراني، تشير تقديرات بعض المحللين إلى أن طهران لم تكتفِ بالصمود، بل تمكنت من فرض إيقاع استراتيجي خاص بها في مسار المواجهة.
ومع مرور نحو شهر على اندلاع الحرب، لم تعد المواجهة تُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل تحولت إلى صراع نفوذ وإرادات. ورغم امتلاك ترامب أدوات قوة واسعة، فإن تحقيق انتصار واضح قد يفرض عليه كلفة سياسية واقتصادية مرتفعة، وهو ما يحدّ من هامش تحركه. في المقابل، لا تملك إيران القدرة على هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل عسكريًا، لكنها لجأت إلى ورقة حاسمة عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. ومنحها هذا التحرك قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، ووضع واشنطن أمام ضغوط سياسية متزايدة.
إنجازات شكلية لدبلوماسية ترامب
في هذا السياق، أثار تصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، جدلًا واسعًا، عندما اعتبرت موافقة إيران على مرور 20 ناقلة نفط عبر المضيق إنجازًا دبلوماسيًا للإدارة الأمريكية. إلا أن هذا الطرح قوبل بانتقادات، إذ إن حجم هذه الناقلات يظل ضئيلًا مقارنة بالمعدلات الطبيعية قبل الحرب، ما يجعل الأمر أقرب إلى تخفيف جزئي للأزمة لا أكثر.
والواقع أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة العسكرية لفرض فتح المضيق، لكن اللجوء إلى هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة. فإقدام إيران على استهداف سفن أمريكية، حتى بشكل محدود، قد يمنحها مكسبًا دعائيًا ويزيد من تعقيد المشهد. كما أن أي تدخل بري محتمل سيضاعف من احتمالات الخسائر البشرية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الوضع السياسي الداخلي للرئيس الأمريكي.
وتنسحب هذه التعقيدات على خيارات أخرى تدرسها الإدارة، مثل السيطرة على منشآت تصدير النفط الإيرانية، خاصة في جزيرة خرج. ورغم أن هذه الخطوة قد تُلحق ضررًا كبيرًا بالاقتصاد الإيراني، إلا أنها لا تضمن دفع طهران إلى التراجع، بل قد تدفعها إلى تصعيد أكبر، بما في ذلك تشديد قبضتها على مضيق هرمز. وفي الوقت ذاته، يواصل ترامب الحديث عن وجود قنوات دبلوماسية غير معلنة مع إيران، رغم نفي طهران لذلك، بالتوازي مع تصعيد التهديدات باستخدام القوة العسكرية. وقد عززت التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك إرسال قوات إضافية، من توقعات بعض المحللين بقرب اتخاذ خطوات تصعيدية.
وكان ترامب قد لوّح سابقًا بإمكانية استهداف البنية التحتية الحيوية في إيران، بما في ذلك منشآت الطاقة والمياه. ورغم قدرة الجيش الأمريكي على تنفيذ مثل هذه الهجمات، فإن الرد الإيراني قد يمتد إلى استهداف منشآت مماثلة لدى حلفاء واشنطن في الخليج، ما يهدد باضطرابات اقتصادية عالمية وارتفاع احتمالات الدخول في ركود. كما أثارت هذه التهديدات تساؤلات قانونية وأخلاقية، خاصة فيما يتعلق باستهداف منشآت حيوية مثل محطات تحلية المياه، التي تُعد ضرورية للحياة في دول الخليج.
ورقة ضغط أمريكية بتأثير مرتد
رغم التصعيد، لا تزال واشنطن تمتلك أدوات ضغط غير عسكرية، أبرزها العقوبات الاقتصادية. ويُعد تخفيف هذه العقوبات أحد الخيارات التي قد تُستخدم لدفع إيران نحو التفاوض، خاصة أن القيود المفروضة على صادرات النفط كانت من بين العوامل التي ساهمت في اندلاع احتجاجات داخلية سابقة. ولكن هذه الورقة بدورها تحمل تناقضًا، إذ إن تشديد القيود على النفط الإيراني قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار عالميًا، ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الأمريكي. وقد ظهر هذا التحدي عندما اضطرت الإدارة إلى اتخاذ خطوات استثنائية لتفادي قفزات حادة في أسعار الطاقة.
في المقابل، لا تبدو الشروط الأمريكية المطروحة للتوصل إلى اتفاق قابلة للتحقيق بسهولة، إذ تتضمن مطالب تعتبرها طهران غير مقبولة، مثل فرض قيود صارمة على برنامجها الصاروخي وتقليص نفوذها في المضيق دون شروط. ويعكس تركيز الإدارة على المؤشرات العسكرية، مثل عدد الضربات المنفذة، مقاربة ضيقة للصراع، قد تغفل الأبعاد الأوسع للحرب وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية.
وعلى الجانب الآخر، تواصل إيران الاعتماد على ورقة مضيق هرمز كأداة ضغط رئيسية، حيث أدى تعطيل الملاحة إلى تداعيات اقتصادية امتدت إلى مناطق بعيدة، بما في ذلك آسيا وأفريقيا. وقد يؤدي استمرار هذا الوضع لفترة أطول إلى أزمة اقتصادية عالمية، ويزيد من الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية. كما أن إطالة أمد الحرب تؤثر سلبًا على دول الخليج الحليفة لواشنطن، التي تسعى إلى تنويع اقتصاداتها بعيدًا عن النفط، وهو ما يتطلب استقرارًا إقليميًا لا يبدو متوفرًا في ظل التصعيد الحالي.
ورغم تأكيد الولايات المتحدة وإسرائيل تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، فإن قدرة طهران على إحداث اضطرابات محدودة في المضيق أو استهداف منشآت حيوية تظل كافية لإلحاق أضرار اقتصادية كبيرة. ومع استمرار الحرب، تتزايد كلفة الصراع على جميع الأطراف، ما قد يدفع واشنطن في نهاية المطاف إلى البحث عن تسوية، حتى وإن بدت أقل من طموحاتها الأولية.
في المقابل، يعتمد بقاء النظام الإيراني على المدى الطويل على تخفيف العقوبات، ما يجعله بدوره بحاجة إلى مخرج سياسي. ومع تضاؤل الوقت، يواجه ترامب ضغوطًا متزايدة لاتخاذ قرار حاسم، إذ إن استمرار التصعيد قد يدفعه إلى خطوات يصعب التراجع عنها لاحقًا.
في النهاية، يظهر أن امتلاك أدوات القوة لا يكفي وحده لحسم الحروب، إذ يتطلب تحقيق نتائج استراتيجية إدارة دقيقة لموازين الضغط والتكلفة. وتملك كل من الولايات المتحدة وإيران عناصر قوة مؤثرة، لكن سوء استخدامها أو غياب مسار تفاوضي واضح قد يدفع بالأزمة نحو تداعيات أوسع، لا تقتصر على الطرفين فحسب، بل تمتد إلى النظام الدولي بأكمله.
اقرأ أيضًا:
العملية البرية قريبة.. الجيش الأمريكي يدفع بقوات النخبة إلى المنطقة
أسعار الوقود في أمريكا تتجرّع مرارة الحرب على إيران
روسيا وإيران تشتريان الطائرات المسيّرة بـ العملا المشفرة












