"حمير مكافحة الحرائق" هي مبادرة بيئية وإنسانية ملهمة انطلقت من بلدة تيفيسّا في جنوب كاتالونيا، على بُعد عشرات الأميال من مدينة برشلونة الإسبانية، وتبلورت فكرة المشروع عبر منظمة غير ربحية أسسها رئيس بلدية المنطقة جوان سيدو سانس، وتعتمد في جوهرها على إنقاذ الحمير التي تعرضت للإهمال الشديد أو سوء المعاملة أو تلك التي أُرسلت إلى المسالخ بعد انتهاء خدمتها، مثل حالة الحمار روبرتو الذي استُغني عنه بعد مسيرة في السباقات.
تهدف المبادرة إلى منح هذه الحيوانات فرصة جديدة لحياة كريمة تتضمن الرعاية الطبية والتغذية المتوازنة داخل قطيع مجتمعي، مقابل توظيف سلوكها الطبيعي في إنجاز مهمة بيئية عظيمة تتمثل في تنظيف الأراضي العامة والخاصة لحمايتها من حرائق الغابات الموسمية المدمرة.
كيف تُحول الحمير الجبال الجافة لمناطق آمنة؟
تتجلى كيفية استخدام هذه الحمير في الاستفادة المباشرة من شهيتها المفتوحة وسلوكها الطبيعي في التحرك والتغذي، يتنقل القطيع، الذي يتجاوز عدده اليوم 60 حمارًا، عبر المرتفعات والمناطق الريفية شديدة الجفاف، حيث تتغذى الحيوانات بكثافة على الشجيرات والأعشاب الجافة ذات القابلية العالية للاشتعال.
هذا العمل الرعوي المكثف يؤدي إلى خلق خطوط عازلة وممرات طبيعية خالية من النباتات الجافة، ما يمنع النيران من إيجاد مسار متصل للانتشار عبر المنظر الطبيعي للبحر الأبيض المتوسط، ولا يتوقف دور الحمير عند التهام النباتات فحسب، بل إن أقدامها وأوزانها الثقيلة تدك التربة بقوة في أثناء المسير، ما يؤدي إلى تفتيت طبقات الأوراق والأغصان المتساقطة والمتصلة التي تُشكل الوقود السريع للحريق، كما تستغل فرق الإطفاء المتخصصة هذه المسارات الممهدة لتمديد خراطيم المياه وتسهيل الحركة الميدانية خلال إجراء التدريبات أو عند وقوع الكوارث الفعلية.
لماذا التفوق للحمير في مواجهة الحرائق؟
يعود السبب الرئيسي لاختيار الحمير وتفضيلها في بعض الممارسات البيئية إلى الخصائص الفيزيولوجية والسلوكية التي تتميز بها عن بقية الحيوانات العاشبة كالماعز والأغنام، ويوضح الخبراء الأكاديميون أن الحمير تُعد من الحيوانات الراعية التي تُفضل الأعشاب العشبية التي تجف سريعًا خلال فصل الصيف وتُشكل ما يُعرف بالوقود الناعم، وهو المادة النباتية الأكثر عرضة للاشتعال السريع.
إضافة إلى ذلك، فإن الحمير تتمتع ببنية جسدية أثقل، ما يجعل كل خطوة تخطوها على الأرض ذات تأثير أكبر في سحق الكتلة الحيوية وتدمير الهيكل البنائي للنباتات الجافة مقارنة بالحيوانات الأصغر حجمًا، ورغم أن هذا الرعي البيئي لا يضمن منع اندلاع الحرائق كليًا، فإنه يقلل من خطورتها وكثافتها بشكل حاسم، ما يمنح فرق الإطفاء فرصة أكبر للسيطرة على النيران وإخمادها بكفاءة أعلى وبكلفة مالية أقل بكثير من استخدام الآلات والمعدات الميكانيكية الثقيلة.
الخلفية التاريخية لاستخدام الحمير
تستند هذه التجربة الفريدة إلى جذور تاريخية عميقة في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت الحرائق دائمًا جزءًا من الدورة الطبيعية للمنطقة، لقرون طويلة، لعبت قطعان الحيوانات البرية والمستأنسة دور "جزازات العشب الطبيعية" التي تبقي الأراضي الجافة تحت السيطرة وتمنع تراكم الكتلة الحيوية، ومع هجرة الأرياف وتراجع المهن الزراعية والرعوية التقليدية لصالح الحياة الحديثة، أصبحت الغابات تتراكم فيها النباتات الميتة لتتحول إلى كبسولات موقوتة تنتظر أدنى شرارة.
مبادرة "تيفيسّا" والمبادرات المشابهة لها في مناطق أخرى مثل غاليسيا وحزام منتزه دونيانا ليست سوى استعادة واعية لتلك الحكمة الشعبية القديمة، وإعادة إعطاء قيمة للأنشطة الريفية التي أثبتت أن الحلول الطبيعية المتوارثة قد تكون أكثر فاعلية واستدامة في مواجهة أزمات العصر المناخية من الممارسات التكنولوجية الحديثة بمفردها.












