على مدار العقد الأخير، انتقلت جماعة الحوثي من كونها حركة مسلحة محلية تخوض صراعًا داخل اليمن إلى أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
النشأة والتحول إلى العمل المسلح
تأسست جماعة أنصار الله، المعروفة إعلاميًا باسم الحوثيين، في أواخر تسعينيات القرن الماضي بمحافظة صعدة شمال اليمن، بوصفها حركة دينية زيدية هدفت إلى إحياء الهوية المذهبية للطائفة الزيدية، وارتبطت الحركة في بداياتها بحزب "الحق"، كما انتُخب مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي نائبًا في البرلمان اليمني خلال الفترة بين عامي 1993 و1997.
لكن عام 2004 شكّل نقطة تحول رئيسية، عندما اندلعت المواجهة الأولى بين الجماعة والقوات الحكومية اليمنية، لتتحول الحركة تدريجيًا إلى تنظيم مسلح خاض ست حروب متتالية مع الدولة اليمنية.
من صعدة إلى صنعاء
استفاد الحوثيون من الاضطرابات التي شهدها اليمن خلال احتجاجات عام 2011، ونجحوا في توسيع مناطق نفوذهم مستفيدين من ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي. وفي سبتمبر 2014 سيطروا على العاصمة صنعاء، ثم توسعت سيطرتهم إلى أجزاء واسعة من البلاد، الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحرب اليمنية وتدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015 دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت المناطق الساحلية الواقعة تحت سيطرة الجماعة، وعلى رأسها محافظة الحديدة، تمثل نقطة ارتكاز رئيسية لعملياتها في البحر الأحمر، نظرًا لقربها من أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
تطور القدرات العسكرية
في السنوات الأولى للحرب ركزت الجهود الدولية على اعتراض شحنات الأسلحة المهربة إلى الحوثيين، إلا أن تقرير "من المهربين إلى سلاسل الإمداد" الصادر عن The Century Foundation يخلص إلى أن هذا التصور لم يعد يعكس الواقع الحالي. فالجماعة، وفق التقرير، بنت خلال عقد واحد مجمعًا عسكريًا محليًا يعتمد على استيراد المكونات والمواد الخام عبر شبكة واسعة من الموردين والمهربين، ثم تجميعها وتصنيعها داخل اليمن.
ويشير التقرير إلى أن الحوثيين باتوا قادرين على إنتاج طائرات مسيرة وصواريخ بعيدة المدى محليًا باستخدام أجزاء تُنقل عبر قنوات تجارية وطرق تهريب متعددة، وهو ما جعل استهداف شحنات السلاح التقليدية أقل فاعلية في الحد من قدراتهم. كما يؤكد أن شبكات الإمداد تتميز بمرونة عالية؛ فعندما يُغلق مسار تهريب معين، تُحوَّل الشحنات سريعًا إلى مسارات أخرى، سواء عبر البحر أو البر أو من خلال قنوات تجارية مشروعة، الأمر الذي زاد من صعوبة تعطيل برنامجهم العسكري.
تصاعد تهديد الملاحة البحرية
تزامن تطور القدرات العسكرية مع تصاعد واضح في استهداف الملاحة البحرية. فمنذ عام 2015 بدأت التهديدات انطلاقًا من السواحل الغربية لليمن، ثم توسعت في عام 2018 لتشمل استهداف ناقلات النفط واحتجاز بعضها. وفي عام 2019 جرى تدمير خمسة زوارق حوثية مفخخة كانت تشكل تهديدًا مباشرًا للملاحة.
وفي عام 2022 اختُطفت سفينة شحن في البحر الأحمر، قبل أن تدخل الهجمات مرحلة أكثر اتساعًا خلال عامي 2023 و2024، مع استهداف متكرر للسفن التجارية وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما دفع العديد من شركات النقل البحري إلى إعادة تقييم مساراتها.
وبررت الجماعة هذه الهجمات بأنها تستهدف السفن المرتبطة بإسرائيل أو الداعمة لها على خلفية الحرب في غزة، إلا أن عدداً من السفن التي تعرضت للاستهداف لم تكن مرتبطة مباشرة بهذا المسار، وهو ما أثار مخاوف دولية من اتساع نطاق الخطر على حرية الملاحة.
باب المندب.. ممر عالمي تحت التهديد
يُعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل بوابة العبور إلى قناة السويس. وتشير تقديرات دولية إلى أن نحو 12% من التجارة العالمية تمر عبر هذا المسار، إضافة إلى نسبة مهمة من صادرات النفط والغاز. كما أن أي اضطراب في الملاحة عبر المضيق ينعكس مباشرة على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. (TIME)
ومع تصاعد الهجمات، اضطرت شركات شحن عالمية إلى تحويل سفنها عبر طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني زيادة كبيرة في مسافة الرحلات، وارتفاع استهلاك الوقود، وزيادة تكاليف التأمين والنقل، وتأخر وصول البضائع إلى الأسواق العالمية.














