عقد من الزمن تحت قيادة جياني إنفانتينو للاتحاد الدولي لكرة القدم يوضح أن العقيدة الحاكمة للمؤسسة تعتمد على مبدأ زيادة كل شيء، بدءًا من عدد البطولات والمباريات وصولًا إلى العائدات المالية وأسعار التذاكر، وقد تجلى هذا التوجه في إطلاق مونديال الأندية بحلته الجديدة وتوسيع بطولة كأس العالم للرجال، حتى باتت الفعاليات الاستعراضية تستنسخ أسلوب النهائيات الأمريكية الكبرى.
ولم تتوقف طموحات الإدارة عند هذا الحد، بل فتحت الباب مؤخرًا أمام مناقشة مقترح غير مسبوق لإقامة بطولة كأس عالم تضم 64 منتخبًا، تحت ذريعة منح الدول الصغيرة الفرصة للتطور والمنافسة، رغم أن العديد من المنتخبات الواعدة أثبتت جدارتها بالفعل في التأهل وفق النظام الحالي.
القوى المحركة لمقترح 64 منتخبًا بالمونديال
ترجع جذور هذه الفكرة إلى التحركات التي قادها اتحاد أمريكا الجنوبية لكرة القدم بالتزامن مع الترتيبات الخاصة بنسخة عام 2030 المئوية، وطالب الاتحاد القاري بزيادة عدد المشاركين في تلك النسخة الاستثنائية لضمان مشاركة أوسع لمختلف قارات العالم، وأعاد رئيسه التأكيد على هذا المطلب عقب نهاية النسخة الأخيرة.
ورغم أن هذا التوجه يجد صدى لدى رئيس الفيفا الذي يرى فيه وسيلة لتوسيع القاعدة العالمية، فإنه يواجه معارضة شديدة من قيادات كروية بارزة، فقد وصف رئيس الاتحاد الأوروبي الفكرة بالسيئة لكونها تضر بنظام التصفيات، بينما حذر رؤساء اتحادات أمريكا الشمالية وآسيا من انعكاساتها السلبية التي قد تؤدي إلى إرباك المنظومة الكروية برمتها، ومع ذلك يبقى القرار النهائي بيد أعضاء مجلس الفيفا.
ويقدم نموذج الـ64 فريقًا ميزة تنظيمية تتعلق بضبط التأهل إلى الأدوار الإقصائية من خلال صعود بطل ووصيف من 16 مجموعة دون الحاجة لتصعيد الأفضل بين أصحاب المركز الثالث، غير أن هذا التوسع يثير تساؤلات جادة حول جودة المنافسة، فبالرغم من المعجزات الكروية التي تحققت لبعض المنتخبات الصغيرة أمام عمالقة اللعبة، فإن الفوارق الفنية ظلت شاسعة في كثير من المواجهات، وعجزت منتخبات عدة عن حصد أي نقطة، وسيؤدي إدخال المزيد من الفرق، ومعظمها ينتمي لاتحادات ذات مستويات تنافسية أقل، إلى تضاؤل احتمالية مفاجآت الأدوار الأولى وتجريد مرحلة المجموعات من إثارتها، لتتحول العملية برمتها إلى ما يشبه تصفيات عالمية موسعة.
تحديات لوجستية لاستضافة 64 منتخبًا
تتجاوز أزمة التوسع الجانب الفني لتصطدم بعقبات تنظيمية ولوجستية معقدة في مقدمتها جدول المباريات والظرف المناخي، فإضافة 24 مباراة تتطلب تمديد فترة البطولة وزيادة الأيام التشغيلية، وهو أمر كان مقدورًا عليه في بعض النسخ بفضل تنوع المناطق الزمنية وجودة الملاعب المغلقة، ولكن مع تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة عالميًا، تصبح إقامة المباريات في أوقات الظهيرة أمرًا شديد الخطورة في غياب الملاعب المجهزة بتقنيات التكييف، فضلًا عن ذلك، يعجز بلد بمفرده عن توفير 64 منشأة تدريبية عالية المستوى وفنادق وشبكات نقل قادرة على استيعاب الملايين، ما يجعل استضافة البطولة أمرًا مستحيلًا على معظم الدول ويفرض خيار الاستضافة المشتركة بين عدة دول.
المحرك المالي لتوسيع المشاركة بالمونديال
يبقى العامل المالي هو المحرك الأساسي لخطة التوسع، فقد نجح إنفانتينو في الوفاء بوعوده الانتخابية عبر ضخ مئات الملايين من الدولارات للاتحادات الوطنية والقارية لتطوير اللعبة، وتأتي هذه الأموال المباشرة من العائدات الضخمة التي تحصدها بطولة كأس العالم عبر حقوق البث التلفزيوني والرعاية وتذاكر المباريات، ومع إضافة عشرات المباريات الجديدة، تتضاعف الإيرادات بشكل قياسي لتضمن لرئيس الفيفا ولاء الاتحادات الأعضاء وإعادة انتخابه بسهولة، غير أن هذا النموذج القائم على الجشع المالي يضع كرة القدم أمام معضلة حقيقية، حيث يتساءل النقاد عما إذا كان هذا التوسع المتواصل يخدم الرياضة حقًا أم أنه يضحي بقيمتها التنافسية وصحة لاعبيها من أجل تعظيم الأرباح؟.












