تستعد بريطانيا لدخول فصل جديد من الاضطراب السياسي، بعدما أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر استقالته، ليمهد الطريق أمام وصول زعيم جديد إلى داونينغ ستريت، هو السابع خلال عقد واحد فقط.
ولا تبدو استقالة ستارمر حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الفوضى السياسية في بريطانيا، بدأت مع استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، ثم امتدت عبر حكومات متعاقبة، وأزمات اقتصادية، وانقسامات حزبية، وصعود قوى شعبوية جديدة.
فمنذ بريكست، حاولت بريطانيا رسم مسار جديد خارج الاتحاد الأوروبي، لكنها واجهت اقتصادًا ضعيف النمو، وديونًا مرتفعة، وفاتورة رعاية اجتماعية متزايدة، وسط عالم أكثر اضطرابًا وتنافسًا.
2016.. بريكست يفتح باب الأزمة
في يونيو 2016، صوّت البريطانيون بنسبة 52% مقابل 48% لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، منهين عضوية استمرت أكثر من 40 عامًا.
كانت النتيجة صدمة سياسية كبرى، وأدخلت البلاد في واحدة من أعقد أزماتها منذ الحرب العالمية الثانية. وبعد التصويت، استقال رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، ليتولى حزب المحافظين اختيار تيريزا ماي خلفًا له.
ومن هنا بدأت الفوضى السياسية في بريطانيا تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا، مع انقسام عميق حول طريقة تنفيذ بريكست.
2017.. مقامرة ماي تنقلب ضدها
في يونيو 2017، دعت تيريزا ماي إلى انتخابات مبكرة، مستندة إلى تقدمها في استطلاعات الرأي، وسعيًا للحصول على أغلبية أكبر تساعدها في تمرير تشريعات بريكست.
لكن النتيجة جاءت عكسية. فقد خسر المحافظون أغلبيتهم البرلمانية، واضطرت ماي إلى تشكيل حكومة بدعم من الحزب الديمقراطي الوحدوي في أيرلندا الشمالية.
بدل أن تمنحها الانتخابات تفويضًا أقوى، جعلت حكومتها أكثر هشاشة.
2019.. جمود بريكست يسقط ماي ويصعد بجونسون
في مايو 2019، أعلنت ماي تنحيها بعد فشلها في كسر الجمود البرلماني بشأن شكل الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وخلفها بوريس جونسون، أحد أبرز وجوه حملة بريكست، بعدما فاز في السباق الداخلي لحزب المحافظين.
وفي ديسمبر من العام نفسه، دعا جونسون إلى انتخابات مبكرة، رافعًا شعار «إنجاز بريكست». وحقق المحافظون أكبر فوز انتخابي لهم منذ انتصار مارغريت تاتشر عام 1987.
2020.. بريطانيا تغادر الاتحاد الأوروبي رسميًا
في 31 يناير 2020، خرجت بريطانيا رسميًا من الاتحاد الأوروبي، بعدما مرر جونسون اتفاق بريكست عبر البرلمان وبروكسل.
وبذلك أصبحت بريطانيا أول دولة تغادر التكتل الأوروبي، لكن الخروج لم ينهِ الأزمة كما وعد أنصاره، بل فتح مرحلة جديدة من الأسئلة الاقتصادية والسياسية.
2022.. فضائح جونسون وتمرد حكومته
قاد جونسون بريطانيا خلال جائحة كوفيد-19، ودخل المستشفى بنفسه بعد إصابته بالفيروس.
لكن الفضائح السياسية والهفوات المتكررة حاصرته، إلى أن اندلع تمرد وزاري داخل حكومته، أجبره في يوليو 2022 على الاستقالة.
كانت تلك محطة جديدة في الفوضى السياسية في بريطانيا، إذ وجدت البلاد نفسها مرة أخرى أمام تغيير مفاجئ في القيادة.
ليز تراس.. 44 يومًا من الارتباك
في سبتمبر 2022، فازت ليز تراس بسباق خلافة جونسون بعد تغلبها على ريشي سوناك داخل حزب المحافظين.
لكن ولايتها القصيرة تحولت إلى أزمة مالية وسياسية. فقد أثارت «الميزانية المصغرة»، التي تضمنت تخفيضات ضريبية غير ممولة، ذعر الأسواق، ورفعت تكاليف الاقتراض، وأضرت بصورة بريطانيا كدولة مستقرة ماليًا وسياسيًا.
وبعد 44 يومًا فقط، أعلنت تراس استقالتها، لتصبح صاحبة أقصر ولاية في تاريخ رئاسة الوزراء البريطانية.
سوناك ومحاولة استعادة الاستقرار
في أكتوبر 2022، أصبح ريشي سوناك ثالث رئيس وزراء لبريطانيا خلال أشهر قليلة، متعهدًا بإعادة الاستقرار إلى الحكومة.
طرح سوناك 5 تعهدات رئيسية، ركزت على الاقتصاد، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وتحسين النظام الصحي.
وفي فبراير 2023، توصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي بشأن القواعد التجارية لأيرلندا الشمالية، ما ساعد على تحسين العلاقات مع بروكسل.
لكن هذا لم يكن كافيًا لإنقاذ المحافظين من التراجع الشعبي.
2024.. ستارمر يصل إلى السلطة بوعد إنهاء الفوضى
في مايو 2024، دعا سوناك إلى انتخابات عامة مبكرة، بينما كان حزب العمال يتقدم بنحو 20 نقطة في استطلاعات الرأي.
وفي يوليو 2024، فاز كير ستارمر بانتخابات ساحقة، ووعد أنصاره بإنهاء سنوات الاضطراب.
قال ستارمر يومها إن حزب العمال وعد بإنهاء الفوضى وسيفعل ذلك. لكن حكومته جاءت بأصغر حصة من الأصوات لأي حكومة أغلبية في التاريخ الحديث.
وبعد أسابيع قليلة، حذر ستارمر من أن «الأمور ستزداد سوءًا قبل أن تتحسن»، قائلًا إن حزب العمال ورث «ثقبًا اقتصاديًا أسود».
ميزانية العمال وصعود الغضب
في أكتوبر 2024، أعلنت وزيرة المالية راشيل ريفز زيادات ضريبية بقيمة 40 مليار جنيه إسترليني سنويًا، خصوصًا عبر رفع مساهمات التأمين الوطني على أصحاب العمل.
دفعت هذه الخطوة العبء الضريبي نحو مستويات قياسية في وقت السلم، وأثارت احتجاجات واسعة من جانب الشركات.
ومع تراجع الثقة في الحكومة، بدأ حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج في الصعود بقوة.
وفي فبراير 2025، تجاوز حزب الإصلاح حزب العمال في استطلاع وطني للمرة الأولى، ثم واصل تصدر استطلاعات الرأي بعد ذلك.
ستارمر تحت الضغط
في يونيو 2025، اضطر ستارمر إلى التراجع عن خططه لخفض فاتورة الرعاية الاجتماعية، بعدما هدده نواب من حزبه بإلحاق هزيمة بالحكومة داخل البرلمان.
ثم تصاعدت الضغوط عليه بين سبتمبر 2025 وأبريل 2026 بسبب أزمة تعيين بيتر ماندلسون سفيرًا لبريطانيا في واشنطن، قبل إقالته لاحقًا على خلفية علاقاته بجيفري إبستين، ما أثار أسئلة حادة حول تقدير ستارمر السياسي وآليات الفحص داخل حكومته.
وفي مايو 2026، تكبد حزب العمال خسائر قاسية في الانتخابات المحلية الإنجليزية، وانتخابات البرلمانين الاسكتلندي والويلزي، بينما كان حزب الإصلاح البريطاني المستفيد الأكبر.
هذه النتائج عمقت الشعور بأن الفوضى السياسية في بريطانيا لم تنتهِ بخروج المحافظين من الحكم، بل انتقلت إلى داخل حزب العمال نفسه.
استقالات تضرب حكومة ستارمر
في مايو 2026، استقال وزير الصحة ويس ستريتينغ، معلنًا أنه فقد الثقة في قيادة ستارمر، وداعيًا إلى فتح باب المنافسة على زعامة الحزب.
وفي يونيو 2026، استقال وزير الدفاع جون هيلي بعد نزاع استمر أشهرًا بشأن الإنفاق الدفاعي، متهمًا ستارمر بالفشل في توفير الأموال اللازمة للحفاظ على أمن البلاد أمام التهديدات المتزايدة.
ومع تزايد الانقسامات داخل الحكومة والحزب، باتت استقالة ستارمر أقرب إلى نتيجة متوقعة لمسار طويل من التآكل السياسي.
آندي بورنهام يدخل المشهد
في يونيو 2026، حقق آندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى، فوزًا مهمًا في شمال إنجلترا، متفوقًا على حزب الإصلاح البريطاني في معركة انتخابية أعادته إلى البرلمان في وستمنستر.
هذا الفوز أزال عقبة رئيسية أمام أي تحدٍ مباشر لقيادة ستارمر، وقدم بورنهام بوصفه المرشح الأبرز لخلافته.
وسرعان ما أعلن ويس ستريتينغ، الذي كان قد لمح سابقًا إلى احتمال ترشحه للقيادة، دعمه الكامل لبورنهام، ما عزز موقع الأخير داخل حزب العمال.
وبذلك وجدت بريطانيا نفسها أمام احتمال رئيس وزراء جديد، بعد أقل من عامين على فوز ستارمر، وفي ظل عقد كامل من التبدلات المتلاحقة.
عقد لم ينتهِ بعد
تكشف هذه السلسلة أن أزمة الحكم في بريطانيا لم تكن أزمة شخص واحد، بل أزمة نظام سياسي دخل منذ بريكست في دوامة متواصلة من الوعود الكبرى والنتائج المحدودة.
من كاميرون إلى ماي، ومن جونسون إلى تراس، ومن سوناك إلى ستارمر، يتكرر السؤال نفسه: هل يستطيع الزعيم التالي إنهاء الفوضى السياسية في بريطانيا، أم يكون مجرد اسم جديد في قائمة قصيرة العمر داخل داونينغ ستريت؟














