سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يفتح بابًا واسعًا على تاريخ طويل من الصراعات، عبر العصور خاض البشر حروبًا لا تُحصى، حتى باتت الحرب تبدو أحيانًا وكأنها جزء ثابت من المشهد الإنساني، ومع ما يشهده العالم اليوم من نزاعات في أكثر من مكان، يعود السؤال من جديد: هل عاش البشر يومًا بلا حرب؟
ويضيف المؤرخ في جامعة ستانفورد إيان موريس، مؤلف كتاب "الحرب! ما فائدتها؟ الصراع وتقدم الحضارة من الرئيسيات إلى الروبوتات"، قائلًا: "على مدى 99% تقريبًا من تاريخ البشرية، لم تكن هناك حكومات".
لكن الصورة تتغير تمامًا إذا انتقلنا إلى العنف بمعناه الأوسع، فبحسب موريس نفسه: "الإجابة هي بوضوح تام لا، لطالما تقاتل الناس وقتلوا بعضهم بعضًا"، لموقع "Live Science".
من الصيد وجمع الثمار إلى الهجمات المسلحة
ويذهب بيتر ستيرنز، أستاذ التاريخ الفخري بجامعة جورج ماسون ومؤلف كتاب "السلام في تاريخ العالم"، إلى الاتجاه نفسه، قائلًا: "لم تكن هناك حروب تُذكر، أو لم تكن هناك حروب على الإطلاق، في ثقافات الصيد وجمع الثمار قبل ظهور الزراعة".
هذه الفرضية لا تقوم على الاستنتاج فقط، بل على الأدلة الأثرية أيضًا، فقد فحص الباحثون عظامًا بشرية قديمة في مناطق مختلفة من العالم بحثًا عن آثار عنف منظم، مثل الجروح غير الملتئمة الناتجة عن الطعن أو القطع أو الصدمات، إلى جانب المقابر الجماعية، ورغم ذلك، فإن الأدلة على الحروب قبل عام 8000 قبل الميلاد تبقى محدودة للغاية، لتبدأ بالازدياد مع التحول نحو الاستقرار والزراعة.
ولا يعني ذلك أن العنف كان غائبًا عن تلك المراحل، ففي موقع "ناتاروك" الأثري بكينيا، عُثر على 27 هيكلًا عظميًا يعود إلى نحو 10000 عام، تحمل آثار موت عنيف، بينما كشفت مقبرة جبل الصحابة في السودان عن رفات عمرها نحو 13000 عام تشير إلى هجمات بين جماعات، لكن هذه الحالات، وفق تصنيف الباحثين، لا تُعد "حربًا" بالمعنى الدقيق.
وأوضح المؤرخ ديفيد كريستيان، الأستاذ الفخري في جامعة ماكواري بأستراليا: "على مدار معظم تاريخ البشرية، كانت المجتمعات صغيرة جدًا لدرجة أنه ليس من الواضح ما إذا كان بإمكاننا مساواة العنف بالحرب"، متابعًا: "أعتقد أن البشر كانوا دائمًا قادرين على العنف، ومع ازدياد حجم المجتمعات، بدأ هذا العنف يتخذ أشكالًا قد نرغب في وصفها بأنها حرب"، لموقع "Live Science".
الإمبراطوريات عصر "الملوك العظام"
ومع الانتقال إلى مرحلة الممالك والإمبراطوريات، أصبحت الحرب أكثر حضورًا وانتظامًا، حتى إن القرن العشرين وحده شهد مقتل نحو 231 مليون شخص، من بينهم نحو 80 ألف جندي سوفيتي لقوا حتفهم في معركة برلين خلال الحرب العالمية الثانية، ويُخلَّد ذكرهم اليوم في النصب التذكاري للحرب السوفيتية في حديقة تريبتور بألمانيا.
لكن التاريخ لا يخلو من فترات هدوء نسبي، فقد أظهرت دراسات تاريخية تناولها جاريد مورغان ماكيني، الأستاذ المساعد في دراسات الأمن الدولي في كلية الحرب الجوية في ألاباما، أن الحرب كانت في الغالب هي القاعدة، بينما كانت فترات السلام بين القوى الكبرى استثناءً، وغالبًا ما تعني خضوع طرف قوي لآخر، كما في حالة "باكس رومانا".
وتسجل كتب التاريخ عددًا من هذه الفترات، ففي الشرق الأوسط القديم بين 1400 و1200 قبل الميلاد تقريبًا، ساد نوع من الاستقرار بين مصر والإمبراطورية الحثية عبر معاهدات وتفاهمات سياسية بين "الملوك العظام"، وفي الفترة من نحو 387 إلى 501 ميلاديًا، توقفت المواجهات الكبرى بين روما وبلاد "فارس" -إيران حاليًا- في ما يُعرف بـ"القرن الخامس الطويل"، نتيجة عوامل منها التهديدات الخارجية وتغير لغة الخطاب السياسي بين الطرفين.
أما في شرق آسيا، فقد تمكنت سلالة سونغ بين 1000 و1200 ميلاديًا من الحفاظ على السلام مع جيرانها لياو وجين عبر دفع أموال بانتظام، بينما شهدت الصين وكوريا واليابان بين 1600 و1850 فترة طويلة من الهدوء النسبي مقارنةً بأوروبا في الفترة نفسها، التي كانت تميل إلى الصراع المستمر على النفوذ.
وفي أمريكا الشمالية، استمر "اتحاد هاودينوسوني" أو "رابطة الأمم الخمس" في فرض حالة من السلام النسبي بين عدد من القبائل لمدة تقارب ثلاثة قرون بين 1450 و1777، وفي أمريكا الجنوبية، يشير ماكيني إلى ما يُعرف بـ"السلام الطويل" منذ عام 1935 مع غياب حروب كبرى بين الدول ذات السيادة.
وفي النهاية، يختصر ماكيني الصورة بالقول: "الحرب أمر طبيعي في التاريخ"، مضيفًا أن ذلك لا يلغي وجود استثناءات، وإن كانت محدودة، في مسار طويل من الصراع البشري.














