قد يبدو غريبًا أن نربط بين المشاعر الإنسانية والمعادلات الرياضية، ولكن بنظرة أكثر اختلافًا فإننا نجد أن كلاهما يحمل بعض التعقيد، ما فتح الباب للباحثين والعلماء للإجابة على سؤال، هل يمكن تتبع مسار العلاقة الزوجية من خلال المعادلات الرياضية؟.. حيث أشارت ثلاثة عقود من البحث إلى أن الحب يمكن أن يتبع أنماطًا جديدة يمكن التعرف عليها، ما يسمح للرياضيات بتحديد العلامات بين الأزواج.
وفي هذا السياق، قاد البروفيسور "لوران بوجو مينجويه"، من جامعة ليون الأولى، فريقًا دوليًا من الباحثين حول العالم، لتطوير نماذج علمية تصف المشاعر الرومانسية وتحولها إلى "نظم ديناميكية"، أي أنظمة تتغير بمرور الوقت وتتأثر بالقوى والتفاعلات المحيطة بها مع استجابة القوى المتفاعلة، مستعرضًا هذه الرؤية في كتابه "الحب! الشجاعة! المعادلات!"، الذي يجمع بين الرياضيات والأدب وعلم النفس والسينما، ليطبقها على تفاصيل التجارب الحياتية اليومية.
من نمو الأرانب إلى استقرار العشاق
كشفت أبحاث علمية أن النماذج الرياضية المستخدمة تاريخيًا لتتبع النمو السكاني وسلوك الأرانب، باتت تُوظَّف لتشخيص استقرار العلاقات الزوجية والتنبؤ بمسارها بدقة، حيث استلهم الباحثون هذه الفكرة من نماذج رياضية كلاسيكية، مثل "نموذج مالتوس" الذي استُخدم لدراسة انتشار الأرانب في أستراليا، ونماذج "المفترس والفريسة" التي تصف التفاعلات في الطبيعة، بالإضافة إلى الاعتماد على قاعدة بيئية تُعرف بـ "تأثير ألي"، والتي تفترض وجود "عتبة حرجة" لرصيد المودة بين الزوجين. فإذا هبط التفاعل العاطفي دون هذا الحد المرجعي، تتجه العلاقة نحو الانهيار التدريجي، في حين يُسهم الحفاظ على المشاعر فوق خط الأمان في ازدهارها وصمودها أمام تحديات الحياة.
وفي هذا الصدد، كشف البروفيسور لوران بوجو-مينجويه، رائد هذا التوجه، الفكرة، أبعاد هذه الفكرة مشيرًا إلى إمكانية وضع نماذج علمية لتطور المشاعر الزوجية، بالمثل كالتنبؤ بمعدلات النمو السكاني أو مصير الأنواع المهددة بالانقراض. وأكد البروفيسور أن الهدف ليس التنبؤ بهوية شريك الحياة، بل معرفة الأسباب التي تمنح بعض العلاقات صلابة في مواجهة أزمات الحياة، وفي المقابل تدفع علاقات أخرى نحو التباعد التدريجي.
نموذج "بوجو-مينجويه" لقياس المشاعر
وبدوره، قام فريق البجث بتقديم نموذج "بوجو-مينجويه"، الذي يعتمد على مفهوم "الحد الأدنى لقوة العلاقة". فإذا انخفضت المشاعر تحت معدل محدد أطلق عليه الفريق اسم "العتبة الحرجة"، وتتنبأ المعادلات بانحدار حتمي نحو الانفصال. ومع ذلك، فإن إدراك الزوجين لهذه النقطة يمنحهما فرصة للتدخل وتصحيح المسار قبل فوات الأوان، حيث صمم الفريق البحثي نموذجًا يقيس مدى قدرة الزوجين على التعافي من الاضطرابات اليومية (كالجدال، والتوتر، والضغوط الخارجية). ويؤكد النموذج أن الأهم ليس تجنب الشجار، بل امتلاك "المرونة الكافية للعودة إلى التوازن".
ويشبه البروفيسور هذا التحدي بقصة "الخنازير الثلاثة" الشهيرة؛ فالحياة سترسل دائمًا "ذئابها" المتمثلة في التوتر، والمشاكل المالية، وضغوط العمل. وهنا يبرز دور الفهم العلمي والعاطفي في تعليمنا كيف نبني علاقتنا بأساس متين من "الطوب" يقاوم هذه التحديات، بدلًا من بناء هش من "القش".
"GPS" لحماية العلاقات العاطفية
يعمل العلماء خلال الفترة المقبلة على تطوير نموذج لدمج المعادلات الرياضية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لابتكار ما يشبه بنظام تحديد المواقع "GPS"، من أجل ابتكار نظام خاص لتحديد المشاعر بالعلاقات الزوجية، ليكون مستشارًا آلى ينذر الازواج عند اقترابهم من مناطق الخطر العاطفي. حيث يقوم بإرسال مؤشرات توضيحية حول اتجاه العلاقة، مع اقتراح أفضل الطرق للعودة إلى بر الأمان.
وعلى الرغم من الآفاق الواعدة لهذه الدراسات، أكد الباحثون بأنها توجه بعض القيود المنطقية، من ضمنها التركيز على الثقافة الغربية، حيث تستند البيانات الحالية بشكل كبير إلى طبيعة العلاقات في المجتمعات الغربية، في حين أن معايير نجاح أو فشل العلاقات تختلف جذريًا باختلاف الثقافات، والمعتقدات، والظروف الاقتصادية، فضلًا عن تعقيدات النفس البشرية التي تمتلئ بالتناقضات ومن الصعب أن تتوقع المعادلات الرياضية التنبأ بها كليًا ، لتبقى النتائج مجرد توقع "احتمالات "، وليست "احكامًا حتمية".














