في بريطانيا، لا تعكس اللهجات اختلاف المناطق فحسب، بل تحتفظ في أصواتها بآثار الغزوات والهجرات والتحولات الاجتماعية التي أسهمت في تشكيل اللغة الإنجليزية الحديثة على مدار نحو 1500 عام.
لكن ما أقدم لهجة إنجليزية لا تزال حية حتى اليوم؟ وهل اللهجة الجنوبية، المرتبطة حاليًا بالملكية والمكانة الاجتماعية، هي الأقرب إلى الإنجليزية الأصلية؟ أم أن لهجات الشمال والوسط احتفظت بأصوات أكثر قدمًا؟
تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا مما قد يُعتقد؛ إذ لا توجد لهجة واحدة يمكن منحها لقب الأقدم، بل تحمل كل منطقة تقريبًا جزءًا مختلفًا من تاريخ اللغة.
رحلة أقدم لهجة إنجليزية
تعود جذور اللغة الإنجليزية إلى القرنين الخامس والسادس، عندما وصلت مجموعات من الأنجلز والسكسونيين إلى إنجلترا قادمة من شمال ألمانيا، واستقرت بصورة أساسية في شرق البلاد ومن اللغات التي تحدثوا بها، وامتزاجها باللغات الموجودة بالفعل في بريطانيا، بدأت الإنجليزية القديمة في التشكل.
وتحمل منطقة إيست أنجليا اسمها من الأنجلز أنفسهم، الذين اشتُق من اسمهم أيضًا اسم إنجلترا، لذلك يرى بعض الباحثين أن المنطقة يمكن اعتبارها أحد أقدم مواطن اللغة الإنجليزية كما نعرفها.
لكن ذلك لا يعني أن لهجتها الحالية هي أقدم لهجة إنجليزية؛ فاللغة لم تتوقف عن التغير، ووصلت إلى البلاد جماعات أخرى، من بينها الدنماركيون والفريزيون والفايكنج، حاملة معها تأثيرات لغوية جديدة اختلف انتشارها من منطقة إلى أخرى.
كيف بدأ الانقسام؟
بحلول القرن التاسع، خضعت مناطق واسعة من يوركشاير وإيست ميدلاندز وإيست أنجليا للحكم الدنماركي، بينما تركز الأنجلوسكسونيون في مناطق أخرى، لتبدأ منذ ذلك الوقت اختلافات واضحة في اللغة بين شمال إنجلترا وجنوبها.
ثم جاء الغزو النورماندي عام 1066، حاملًا معه الفرنسية النورماندية، التي أثرت بقوة في الإنجليزية القديمة وأسهمت تدريجيًا في ظهور الإنجليزية الوسطى، بينما أصبحت الفرنسية مستخدمة في البلاط والمراسلات الرسمية.
ومع تعدد هذه التأثيرات، ازدادت الإنجليزية تنوعًا، قبل أن يسهم ظهور المطبعة عام 1476 في توحيد جانب من طرق الكتابة والهجاء.
تحول كبير غيّر نطق الإنجليزية
بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، شهدت اللغة ما يُعرف بـ«تحول الحروف المتحركة الكبير»، عندما تغير نطق عدد كبير من الأصوات، بينما بقيت كتابة الكلمات على حالها في كثير من الأحيان، وهذا أحد الأسباب الرئيسية وراء التعقيد المعروف اليوم في العلاقة بين كتابة الكلمات الإنجليزية وطريقة نطقها.
لكن هذا التحول لم يحدث بالطريقة نفسها في جميع أنحاء البلاد، فاحتفظت بعض المناطق بأصوات قديمة، بينما طورت مناطق أخرى طرقًا جديدة للنطق.
ومن أبرز الأمثلة الاختلاف في نطق كلمتي «foot» و«strut». فمنذ القرن السابع عشر، بدأ سكان جنوب إنجلترا في نطق الكلمتين بصوتين مختلفين، بينما احتفظت مناطق في الشمال والوسط بالنطق الأقدم الذي يجعلهما أكثر تقاربًا.
وهكذا، ورغم أن شرق إنجلترا ارتبط ببدايات اللغة، فإن لهجات شمالية ووسطى أصبحت بدورها حارسة لبعض أقدم أصوات الإنجليزية.
اللهجة الملكية ليست الأقدم
ترتبط اللهجة الإنجليزية الجنوبية اليوم بالملكية والمكانة الاجتماعية، لكن هذه المكانة لا تعني أنها أقدم لهجة إنجليزية.
فاللفظ المقبول، المعروف باسم «Received Pronunciation» أو «إنجليزية بي بي سي»، لم يظهر بصورته المعروفة إلا في القرن الثامن عشر.
بل يُعتقد أن الملك ريتشارد الثالث، الذي حكم إنجلترا في القرن الخامس عشر، كان يتحدث بلهجة شمالية قريبة من لهجة يوركشاير.
كما تشير الدراسات إلى أن منطقة إيست ميدلاندز لعبت دورًا مهمًا في تشكيل الإنجليزية القياسية، خصوصًا بعد انتقال عدد من تجارها إلى الجنوب خلال القرن الرابع عشر وتوليهم مواقع مؤثرة.
أصوات قديمة نجت خارج بريطانيا
لم تبقَ آثار الإنجليزية القديمة داخل إنجلترا وحدها، بل انتقلت بعض خصائصها إلى أنحاء أخرى من العالم.
فالإنجليزية الأمريكية والأيرلندية والاسكتلندية احتفظت بالنطق الواضح لحرف «r»، وهي سمة كانت أكثر انتشارًا في الإنجليزية قديمًا قبل أن تختفي من بعض المناطق.
كما احتفظت الإنجليزية الأمريكية ببعض الكلمات القديمة التي تراجعت في بريطانيا أو استُبدلت بأخرى، بينما لا تزال بعض مناطق إيست أنجليا تحتفظ بفروق في نطق كلمات أصبحت متشابهة في معظم أنحاء البلاد.
وبذلك أصبحت اللهجات الحديثة أشبه بمستودعات موزعة، يحتفظ كل منها بقطع مختلفة من تاريخ اللغة.
إذن.. ما أقدم لهجة إنجليزية؟
بعض اللهجات الشمالية احتفظت بأصوات قديمة، ولهجات جنوبية حافظت على خصائص أخرى، بينما تحمل لهجات إيست أنجليا والميدلاندز آثارًا تعود إلى مراحل مختلفة من تاريخ الإنجليزية.
لذلك، لا يمكن تحديد أقدم لهجة إنجليزية في منطقة واحدة؛ فكل لهجة تحمل جزءًا من قصة اللغة، وكل صوت قديم بقي حيًا حتى اليوم يمثل أثرًا من رحلة امتدت لأكثر من 1500 عام.
فاللغة لا تتجمد في الزمن، بل تتغير باستمرار، وما نسمعه اليوم هو حصيلة قرون من الهجرات والغزوات والتفاعلات الاجتماعية، التي لا يزال صداها حاضرًا في الطريقة التي ينطق بها الناس كلماتهم.














