تُعد ظاهرة التبادل اللغوي من السجالات الممتدة التي تُشغل الباحثين والمؤرخين، وتبرز هنا اللغة العربية كبيئة لغوية حية تفاعلت على مر العصور مع لغات العالم المختلفة، مستعيرةً تارة ومقرضةً تارة أخرى.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة بحثية متخصصة نشرتها مجلة "اللسان العربي" في عددها السابع والثلاثين، وهي مجلة دورية نصف سنوية صادرة عن المكتب الدائم لتنسيق التعريب التابع لجامعة الدول العربية، عن امتدادات غير مألوفة لروابط لغوية تجمع بين الفصحى وبعض العاميات العربية من جهة، وبين اللغة الروسية من جهة أخرى، متجاوزةً التفسيرات التقليدية الجاهزة حول أصول المفردات المهاجرة.
روابط بين اللغة العربية والروسية
أوضح الباحث الدكتور سليم يوسف في دراسته المنشورة بالمجلة أن التبادل اللغوي ظاهرة طبيعية وشاملة تخضع لها اللغات الحية كافة مهما بلغ مستوى ارتقائها. ورغم أن الافتراض الأولي قد يجعل فكرة اقتباس اللغة العربية لألفاظ روسية قديمة تبدو غريبة، إلا أن الفحص الصوتي والدلالي المقارن لبعض الكلمات يثبت وجود تشابهات وتجانسات تثير الكثير من التساؤل والاهتمام حول متى وأين وكيف حصل هذا التمازج التاريخي.
ووفقًا للورقة البحثية، فإن بعض المفردات الشائعة في المعاجم العربية أو العاميات الإقليمية تحمل دلالات صوتية ومعنوية متطابقة مع جذور روسية قديمة؛ فكلمة "دولة" على سبيل المثال، تقترب في جرسها ومعناها من اللفظ الروسي القديم (Доля) الذي يعني "نصيب أو قسم"، وهو الجذر المرتبط تاريخيًا بعادة أمراء الروس القدماء في وراثة وتقاسم أقاليم آبائهم، والمشتق بدوره من الفعل الروسي (Делить) بمعنى وزّع أو قسّم.
وتشير الدراسة أيضًا إلى مفردات شهيرة مثل "بلاط" التي تعني القصر أو الغرفة الفاخرة، حيث تتقاطع في اللفظ والمعنى مع الكلمة الروسية (Палата)، بينما تظهر كلمة "قارب" كنسخة صوتية قريبة جداً من المفردة الروسية (Корабль) التي تعني سفينة، والمشتقة تاريخيًا من فعل (Коробиться) الذي يعكس انحناء ألواح الخشب المعوجة المستخدمة في صناعة السفن لدى الروس القدماء.
ويمتد البحث التوثيقي الصادر في مجلة جامعة الدول العربية ليطال ألفاظًا دارجة في مجتمعات عربية محددة؛ إذ تُشير الدراسة إلى أن لفظة "زلط" المستخدمة في العامية اليمنية للدلالة على العملات الصغيرة أو دراهم الصرف، تجد صدىً صوتيًا مباشرًا في الكلمة الروسية (Золото) والتي تعني الذهب.
وتكرر الأمر نفسه مع كلمة "بقشة" التي كانت تُستخدم عملةً صغيرة في اليمن، إذ ترتبط تاريخيًا بالكلمة الروسية القديمة (Векша) التي كانت تعني "سنجاب"، حيث كان الروس القدماء يستعينون بجلود السناجب كعملات تجارية صغيرة في تعاملاتهم اليومية.
ولم تقف الجغرافيا السياسية بمنأى عن هذا التحليل، إذ تضمنت الدراسة مقاربات وصفت بأنها محاولة لاستكشاف التشابهات دون السقوط في فخ التأصيل الأسطوري؛ حيث يربط البحث بين مسميات مواقع جغرافية شهيرة في مصر وشمال إفريقيا وبين جذور روسية ولاتينية قديمة.
وتأتي تسمية واحة "سيوة" المصرية في هذا الإطار كلفظ يتطابق مع اسم إلهة روسية قديمة (Сива)، بينما تقترب تسمية مدينة "سوهاج" من اللفظ الروسي ( Сохаg) الدال على الأيِل كبير القرنين، في حين تُرد مدينة "صبراتة" التاريخية في ليبيا إلى الجذر الروسي (Собрат) الذي يعني الأخ أو الزميل، وهو ما قد يفسر تاريخيًا بوصفها المدينة الزميلة لقرطاجنة.
وتختتم الدراسة بالإشارة إلى تسمية مدينة "سمالوط" المصرية، واصفة إياها بنحت لغوي يقترب صوتيًا ودلاليًا من الكلمة الروسية (Самолёт) التي تعني الطائرة، وكانت دلالتها القديمة تنصرف إلى كل مركبة تتحرك ذاتيًا لا سيما مركبات العبور النهري، وهي منحوتة من كلمتين روسيتين تعنيان "يتحرك ذاتيًا"، مما يؤكد أن كل مفردة تهاجر بين اللغات تخبئ وراءها فصولًا مفقودة من رواية إنسانية وتاريخية كاملة.














