يُمثل تاريخ العلاقات بين لبنان وإسرائيل سجلًا حافلًا بالفرص الضائعة والاتفاقات التي لم تُعمر طويلًا، حيث تعود جذور المحاولات الأولى لترتيب الوضع الأمني بين الجانبين إلى عام 1949، حين وُقعت اتفاقية الهدنة في رأس الناقورة برعاية دولية، لتكون حجر الأساس الذي لم يصمد أمام أعاصير الأزمات الإقليمية المتلاحقة منذ ذلك الحين.
وتكشف قراءة المسار الزمني أن محطات التفاوض بين لبنان وإسرائيل لم تتوقف رغم الحروب، إذ شهد عام 1983 محاولة جادة لتوقيع اتفاق يضمن الانسحاب الإسرائيلي بعد الاجتياح، لكنه سرعان ما واجه مصير الإلغاء نتيجة الضغوط السياسية المتقاطعة، لتعقبه مشاورات عسكرية مباشرة في عام 1985 برعاية الأمم المتحدة لترتيب خروج القوات الإسرائيلية من الجنوب، وهي الفترة التي أسست لنوع من التواصل الاضطراري تحت المظلة الدولية.
محطات تاريخية في صراع لبنان وإسرائيل
مع انطلاق مؤتمر مدريد للسلام في تسعينيات القرن الماضي، انخرط الجانبان في سلسلة جلسات تفاوضية ماراثونية امتدت من 1991 وحتى 1993، سعيًا وراء صياغة رؤية شاملة للاستقرار، إلا أن تلك الجهود لم تُترجم إلى سلام واقعي، حتى جاء عام 2000 ليشهد انسحابًا إسرائيليًا من معظم الأراضي اللبنانية استجابة للقرارات الأممية، مع بقاء مزارع شبعا نقطة خلاف مركزية استمرت في توتير العلاقة بين لبنان وإسرائيل لسنوات طوال.
ويُعتبر عام 2006 مفصلًا تاريخيًا آخر، حيث تدخل مجلس الأمن لتعزيز قوات "اليونيفيل" وإنشاء منطقة عازلة، وهي الترتيبات التي بقيت تحكم المشهد الميداني بجمود حذر، قبل أن تنجح الوساطة الأمريكية في عام 2022 بتحقيق اختراق نوعي عبر اتفاق ترسيم الحدود البحرية، والذي اعتُبر حينها أول خطوة عملية لتقاسم الموارد وحل النزاع على مناطق الغاز، بعيدًا عن لغة الرصاص التي هيمنت على تاريخ لبنان وإسرائيل.
وتُظهر التطورات الأخيرة في عامي 2024 و2026 أن الرغبة في طي صفحة الماضي لا تزال تواجه تحديات جمة، فبينما أخفقت اتفاقات وقف العدائيات السابقة في الصمود، يبدو أن اجتماعات واشنطن الحالية تحاول استعادة زخم المفاوضات المباشرة التي لم تحدث منذ 40 عامًا، مستندة إلى إرث طويل من المحاولات التي أثبتت أن استدامة السلام بين لبنان وإسرائيل تتطلب ما هو أكثر من مجرد تفاهمات أمنية عابرة، بل رؤية شاملة تنهي عقودًا من المواجهة المسلحة.













