منوعات

أعياد العرب قبل الإسلام.. بين المعتقد والأسطورة

مع طلوع هلال شوال، تعمّ أجواء الفرح أنحاء العالم الإسلامي احتفالًا بعيد الفطر المبارك، ولكن في خضم هذه البهجة الروحية والاجتماعية، قد يتبادر إلى الذهن سؤالٌ تاريخي: هل كانت أعياد العرب قبل الإسلام لها طقوس احتفال جماعي تُقارن بما نعيشه اليوم؟

أعياد العرب قبل الإسلام

يذكر ابن هشام في “السيرة النبوية” إشارات لأيام كانت تُعد مواسم عند العرب قبل الإسلام، كما تناولها الطبري في “تاريخ الرسل والملوك”.

أما المسعودي في “مروج الذهب”، فأشار إلى أعياد كانت تُنظم في الممالك العربية الجنوبية، ذات طابع زراعي أو ملوكي.

العرب في الجاهلية كانوا يعرفون مواسم للفرح والاحتفال، لكنها لم تكن مرتبطة بدين سماوي، بل تنبع غالبًا من مناسبات تجارية، أو طقوس موسمية، أو ارتباطات وثنية.

ومن أشهر تلك الأعياد ما كان يُقام عند البيت الحرام، في مواسم الأسواق الكبرى مثل سوق عكاظ، ومجنة، وذي المجاز.

كانت هذه الأسواق تُمثّل مناسبات احتفالية بامتياز، حيث تتلاقى القبائل للتجارة، وتُنشد القصائد، وتُقام المنافسات، وتُعقد الأحلاف.

وقد أشار بعض المؤرخين إلى أن العرب كانت لهم أيام خاصة للفرح أو الذكرى، مثل يوم “يُبعث” في اليمن، وهو احتفال كان يُقام عند خروج الملوك أو توليهم الحكم، وكذلك احتفالات قبيلة كندة في حضرموت التي كانت تُقيم مواسم للغناء والطرب.

طقوس وثنية وأيام مقدّسة

في مكة، كان الوثنيون يُحيون طقوسًا حول الأصنام في مواسم خاصة، تُمثل نوعًا من “العيد” بالنسبة لهم. فكانوا يُطوفون بالأصنام، ويذبحون القرابين، ويرقصون ويغنون، طلبًا للبركة أو دفعًا للضر.

وورد أن قريشًا كانت لها أعياد تُقام عند “ذي المجاز” بعد موسم الحج الجاهلي، يقيمون فيها الولائم، ويتزينون، وتُضرب فيها الدفوف وتُنشد القصائد.

لكن هذه الأعياد كانت محصورة في طبقة محددة، أو مرتبطة بأغراض دنيوية بحتة، أو شعائر غير توحيدية، لذا لم تكن تُعبّر عن وحدة دينية أو روحية جامعة كما في الإسلام.

الإسلام.. لحظة التحوّل في مفهوم العيد

عندما جاء الإسلام، ألغى النبي ﷺ هذه الأعياد، واستبدلها بيومي عيد يحملان معنى دينيًا واجتماعيًا واضحًا، كما في الحديث الشريف: «إنَّ لِكُلِّ قومٍ عيدًا، وهذا عيدُنا» – رواه البخاري ومسلم.

فجاء عيد الفطر بعد رمضان، ليكون تتويجًا للعبادة، وفرحًا مشروعًا، ومناسبة للصلة والتكافل، وجاء عيد الأضحى ليؤكد قيم التضحية والطاعة والرحمة.

وعيد الفطر لم يكن مجرد يوم احتفال، بل أعاد تعريف مفهوم الفرح عند العرب. فقد انتقل من كونه طقسًا قبليًا أو وثنيًا، إلى كونه شعيرة دينية تُعزّز الروح والجسد والمجتمع.

لبس الجديد، وإخراج الزكاة، وصلاة العيد، وزيارة الأهل، وإفطار المحتاجين، كلّها تحولات في سلوك المجتمع العربي، جلبها الإسلام وجعل منها قالبًا أخلاقيًا واجتماعيًا متماسكًا.

وإجمالًا، فالعرب قبل الإسلام عرفوا الفرح، لكنهم لم يعرفوا العيد كما نعرفه اليوم.

فما نعيشه في عيد الفطر ليس احتفالًا زمنيًا عابرًا، بل منظومة إنسانية راقية، تربط الفرد بربه، والمجتمع بعضه ببعض، في توازن فريد بين العبادة والبهجة، بين الروح والجسد، بين الماضي والمستقبل.