تستعيد المملكة في الثاني والعشرين من فبراير، ذكرى اللحظة التاريخية التي غيرت وجه الجزيرة العربية، إذ تحتفي البلاد بعلامة مضيئة في تاريخ الدولة السعودية تتمثّل في يوم التأسيس، وليس الاستقلال، إذ لم تخضع هذه الأرض يومًا لسلطة استعمار خارجي، بل وضع الله فيها رجالًا سطروا بطولات خالدة لحماية سيادتها ووحدتها.
ومنذ اللحظة التي أعلن فيها الإمام محمد بن سعود قيام الدولة في الدرعية، عام 1727م، بدأت مرحلة أرست دعائم الحكم الرشيد والوحدة الوطنية التي تمتد اليوم في أبهى صورها تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
الحكام في تاريخ الدولة السعودية الأولى والثانية
يكشف تتبع تاريخ الدولة السعودية عن عمق ضارب في القدم، بدأ فعليًا منذ أن وضع الأمير مانع بن ربيعة المريدي اللبنة الأولى للدرعية عام 850هـ (1446م).
ومع تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1727م، أصبحت الدرعية عاصمة وحصنًا منيعًا ضد أي تمدد للنفوذ الاستعماري، حيث حرص أئمتها على استقلالية القرار وحماية طرق الحج والتجارة.
واستمرت هذه الدولة الفتية لمدة 94 عامًا، تعاقب على حكمها أربعة أئمة هم: محمد بن سعود، وعبدالعزيز بن محمد، وسعود بن عبدالعزيز، وعبدالله بن سعود، حتى عام 1818م.
وبعد سنوات قليلة من الاضطراب، استعاد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود زمام المبادرة عام 1240هـ (1824م) ليؤسس الدولة السعودية الثانية، متخذًا من الرياض عاصمة جديدة لها.
وشكلت هذه المرحلة حلقة وصل محورية في تاريخ الدولة السعودية، حيث استمرت 69 عامًا تحت قيادة أئمة كرام دافعوا عن قيمها وأمنها حتى عام 1891م.
وخلال هذه القرون الثلاثة، تجلى عنفوان الدفاع عن الأرض، فلم يستطع أي دخيل كسر إرادة المجتمع السعودي المرتبط بقيادته بروابط وجدانية عميقة، ترفض أي نوع من التبعية أو السيطرة الخارجية.
وتبرز الملامح العمرانية للدرعية في تلك الحقبة كشاهد على الرقي الحضاري، حيث ازدهرت أحياء مثل الطريف والطرفية والبجيري، وأحيطت بسور دفاعي ممتد.
ولم تكن العاصمة مجرد ثكنة عسكرية، بل كانت منارة للعلم استقطبت العلماء والتجار، وضمت مرافق اجتماعية متقدمة مثل "سبالة موضي" لخدمة الزوار، مما يعكس منظومة متكاملة من التكافل والازدهار التي ميزت تاريخ الدولة السعودية منذ نشأتها.
العهد الزاهر في تاريخ الدولة السعودية
توجت هذه المسيرة بالملحمة البطولية التي قادها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام 1319هـ (1902م)، حين استعاد الرياض ليعلن انطلاق الدولة السعودية الثالثة (المملكة العربية السعودية).
وبدأت منذ ذلك الحين أعظم قصة نجاح في العصر الحديث، حيث تم توحيد المملكة تحت راية واحدة، ليبدأ فصل جديد من العطاء المستمر الذي تواصل عبر ملوك المملكة: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله، وصولًا إلى العهد الميمون للملك سلمان بن عبدالعزيز.
واستثمرت المملكة هذا الإرث العظيم لبناء مستقبل مشرق، حيث تتباهى اليوم بإرث الأجداد وهي تقدم نموذجًا فريدًا في التطور النابع من الأصالة.
ويظهر تاريخ الدولة السعودية بوضوح في حي الطريف المسجل ضمن التراث العالمي لليونيسكو، كأحد أكبر الأحياء الطينية في العالم، ليظل شاهدًا على الانتقال من مرحلة التأسيس إلى ريادة المستقبل.
وبفضل هذا الامتداد الأصيل، تمضي المملكة اليوم بشموخ نحو صدارة العالم، معتزة بجذورها التي أرساها الإمام محمد بن سعود قبل قرون، ومستندة إلى وحدة وطنية صلبة لا تلين.
ويجسد الاحتفاء اليوم بذكرى تاريخ الدولة السعودية استحضارًا لمسيرة ثلاثة قرون من الإنجاز، حيث أدرك العالم أجمع أن هذه المنطقة لها طبيعة مستقلة تأبى التبعية وتثق في قيادتها.
ومع تزايد الحراك الثقافي والسياحي في الدرعية، يظل تاريخ الدولة السعودية مصدر إلهام للأجيال، يذكرهم بأن النهضة الحالية هي ثمرة كفاح طويل بدأ من وادي حنيفة، واستقر في قمم التطور العالمي ليرسم ملامح الغد بروح الأصالة السعودية العريقة.












