خلال الأشهر الماضية، التصقت البرنقيلات وبلح البحر والمحار والطحالب وغيرها من الكائنات البحرية التي تعيش في المياه الدافئة بمئات ناقلات النفط العملاقة الراسية في الخليج العربي، وإعادة هذه السفن إلى الخدمة تتطلب تدخل فرق متخصصة من الغواصين لإزالة تلك التراكمات، في مهمة تُعرف داخل القطاع باسم "تنظيف القاع".
ويقول ديريك هام، من منظمة "الغواصون المهووسون"، المتخصص في تنظيف قيعان السفن: "التراكمات ليست غريبة في عالم الملاحة البحرية"، ولا تزال ناقلات النفط وسفن الشحن راسية قبالة ميناء السلطان قابوس في مسقط بسلطنة عُمان منذ 21 يونيو 2026.
ويُطلق قطاع النقل البحري مصطلح "التلوث البيولوجي" على الكائنات الحية التي تتراكم على هياكل السفن، وهي مشكلة تتجاوز مجرد المظهر الخارجي. فالسفن العالقة في مضيق هرمز لا يمكنها استئناف الإبحار قبل إزالة هذه التراكمات، وفقًا لشبكة "CNN" الأمريكية.
رحلة "تنظيف القاع".. البداية فقط
يتجاوز طول ناقلات النفط العملاقة 1000 قدم، بينما يبلغ عرضها نحو 150 قدمًا، ما يعني أن مساحة القاع المطلوب تنظيفها تصل إلى نحو 150 ألف قدم مربع. ويحتاج تنظيف كل ناقلة إلى فريق يضم خمسة أو ستة غواصين يعملون لمدة تتراوح بين أربع وخمس ساعات باستخدام أدوات الكشط اليدوية وغسالات الضغط لإزالة التلوث البيولوجي، ومع وجود نحو 600 سفينة تنتظر مغادرة المضيق، تتحول المهمة إلى عملية ضخمة تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين.
وقال برايان مكولي، مالك شركة مكولي للرسو والغوص التي تقدم خدمات تنظيف القاع في لونغ آيلاند ساوند: "العمل بسيط وغير معقد، لكن تلك السفن كبيرة جدًا بالنسبة لعمل الغواصين الفردي"، ويستخدم الغواصون رماحًا خاصة لكشط التراكمات عن الهياكل، وعندما تكون البرنقيلات شديدة الالتصاق، يلجأون إلى رملات كهربائية أو منظفات ضغط هيدروليكية تعمل بواسطة مولدات موجودة على متن السفينة.
لكن العملية تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر لتجنب إتلاف الطلاء الواقي الذي يمنع تراكم الكائنات البحرية، فخدش هذا الطلاء قد يؤدي إلى مشكلات تتعلق بالامتثال البيئي وشروط التأمين الخاصة بالسفن، وتُعد المراوح من أكثر الأجزاء صعوبة في التنظيف، إذ تحتاج الدوارات في كثير من الأحيان إلى الفك والتنظيف ثم إعادة التركيب.
وأدى الطلب المفاجئ على هذه الخدمات إلى ارتفاع أسعارها، وقال آرون سورنسن، كبير مسؤولي البيئة في "BIMCO"، وهي منظمة دولية لمشغلي السفن، إن فرق التنظيف تتقاضى حاليًا مبالغ تتجاوز خمسة أرقام مقابل السفينة الواحدة، بحسب الشبكة الأمريكية.
لماذا تحتاج السفن إلى التنظيف؟
رغم ارتفاع التكلفة، فإن تنظيف القاع ضروري للحفاظ على كفاءة السفن، فالسفن، مثل الطائرات، تُصمم وفق اعتبارات ديناميكيات السوائل، والتلوث البيولوجي يخل بهذه المعايير بشكل كبير، وعندما تتراكم الكائنات البحرية على الهيكل، ترتفع مقاومة الماء، ما يزيد استهلاك الوقود ويجعل عمليات النقل أكثر تكلفة، خصوصاً في الرحلات الطويلة التي تنقل النفط من الشرق الأوسط إلى آسيا أو أستراليا.
وفي 17 يونيو، واصلت السفن التجارية وناقلات النفط التي تستعد لعبور مضيق هرمز انتظارها في خليج عمان، بينما ظل أحد أهم الممرات المائية للتجارة العالمية تحت المراقبة، وقال نيل روبرتس، رئيس قسم الملاحة البحرية والجوية في جمعية سوق لويدز، إن الوقود يمثل نحو 50% من إجمالي نفقات تشغيل السفينة.
من جهتها، قالت كارولين شيرلوك، مالكة موقع "ذا بوت غالي" الإلكتروني المتخصص في شؤون القوارب، إن النمو الكثيف للكائنات البحرية على المراوح قد يجعلها غير فعالة تماماً بمرور الوقت، خاصة في القوارب التي تبقى راسية لسنوات، وأشار هام إلى أن الكائنات الدقيقة تفضل الاستقرار داخل صمامات السحب، ما قد يؤدي إلى تعطيل أنظمة التبريد.
وتُلزم اللوائح البحرية السفن بإزالة البرنقيل وغيره من الملوثات البيولوجية قبل دخول الموانئ، لأن هذه التراكمات قد تنقل أنواعًا غازية تُلحق أضرارًا بالبيئات البحرية المحلية، كما تتضمن عقود التأمين البحري بنودًا خاصة بصيانة قاع السفينة، لضمان التزامها بالمعايير التشغيلية والبيئية والحفاظ على أعلى مستويات الكفاءة.
وليست هذه المشكلة جديدة. فمنذ قرون، كانت السفن الحربية تُبنى بقواعد نحاسية لحماية هياكلها الخشبية من الديدان البحرية ومنع تسرب المياه، وقال روبرتس: "إنها مشكلة قديمة قِدّم التاريخ".
ماذا بعد التنظيف؟.. عقبات استئناف الشحن
قد تلجأ بعض السفن إلى مغادرة المضيق قبل الانتهاء من عمليات التنظيف لتجنب المخاطر، لكن إزالة التلوث البيولوجي تظل شرطًا أساسيًا قبل استئناف الرحلات البحرية، وفي الواقع، لا يمثل تنظيف القاع سوى خطوة واحدة ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات المطلوبة قبل أن تتمكن السفن من نقل مئات الملايين من براميل النفط إلى وجهاتها.
وألزمت إيران يوم الجمعة الماضي الشركات بالتسجيل لديها من أجل تطهير المضيق، كما يتعين على كاسحات الألغام تمشيط الممر الملاحي للتأكد من خلوه من المخاطر التي قد تهدد السفن أثناء العبور.
إلى جانب ذلك، تحتاج الشركات إلى موافقات جهات التمويل وشركات التأمين قبل استئناف العمليات، في ظل التطورات اليومية المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، ولذلك فإن عودة سوق النفط إلى العمل لن تكون فورية بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز.













