تشهد الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل حالة من التوجس الشديد عقب التطورات الدبلوماسية الأخيرة الناتجة عن مفاوضات سويسرا ومذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران.
قلق إسرائيلي
حيث يسود قلق عارم داخل الحكومة الإسرائيلية من أن تؤدي هذه المسارات إلى إضفاء شرعية أمريكية فعلية على النفوذ الإيراني في لبنان، مما يسهم في تقويض حرية العمل العسكري التي احتفظت بها تل أبيب طوال الأشهر الماضية.
إذ باتت إدارة ترامب ترى في احتواء العمليات الإسرائيلية ضرورة استراتيجية لإنجاح مساعيها الدبلوماسية مع طهران التي نجحت بدورها في ربط الملف اللبناني بملفها التفاوضي لدعم حليفها حزب الله.
وتتركز المخاوف الإسرائيلية المباشرة حول إمكانية اصطدام أي ضربات عسكرية مستقبلية في العمق اللبناني بمعارضة واشنطن، فضلاً عن وجود ضغوط محتملة من الرئيس ترامب لفرض انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان رغم استمرار تهديدات حزب الله.
تأتي هذه التطورات مدفوعة ببنود مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي تلزم الأطراف كافة بإنهاء الأعمال العدائية وضمان سيادة لبنان؛ وهي السيادة التي ترى الأطراف الدولية أن الاستمرار في احتلال الجنوب يقوضها.
ورغم جولات القتال التي تلت توقيع المذكرة، إلا أن الاتفاق على إنشاء "خلية لفض الاشتباك" برعاية أمريكية إيرانية ومشاركة لبنانية بوساطة قطرية وباكستانية نجح في الحفاظ على استقرار وقف إطلاق النار الأخير.
عهد إدارة بايدن
ويرى الجانب الإسرائيلي أن هذه التفاهمات الجديدة تعصف بالاتفاقات السابقة المبرمة في عهد إدارة بايدن أواخر عام 2024، والتي باركتها إدارة ترامب آنذاك؛ إذ كان الاتفاق القديم يمنح إسرائيل الحق في ضرب التهديدات الوشيكة والناشئة مع التركيز على تفكيك بنية حزب الله العسكرية بمراقبة دولية تشارك فيها تل أبيب وتغيب عنها طهران.
أما الآلية المستحدثة، فتقتصر على معالجة التهديدات الوشيكة فقط وتستبعد إسرائيل من المشاركة المباشرة مقابل إدراج إيران، ليتحول الهدف من تفكيك البنية التحتية للحزب إلى مجرد فض للاشتباك بين الطرفين.
وعلى الصعيد الداخلي، يعيش رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو حالة من التوتر البالغ، نظرًا للأهمية السياسية والانتخابية الكبيرة لملف الجبهة اللبنانية قبيل انتخابات أكتوبر المقبل؛ ما دفعه للاستعانة بالمستشار السابق رون ديرمر لتوظيف علاقاته داخل فريق ترامب للضغط على مسار المفاوضات، وهو ما أسفر جزئيًا عن تحذيرات أطلقها ترامب لطهران عبر منصته الرقمية.
في المقابل، يبدي الرئيس اللبناني جوزيف عون استعدادًا كاملاً للقبول بالآلية الجديدة طالما أنها تقع تحت قيادة واشنطن، وهو ما تم نقاشه في اتصال مباشر مع نائب الرئيس جيه دي فانس والمبعوث جاريد كوشنر.
وتحاول الإدارة الأمريكية طمأنة تل أبيب عبر تأكيدها أن الوجود الأمريكي في الآلية يضمن مصالح إسرائيل بالكامل، وأن فتح قناة مباشرة مع طهران سيسهم في كبح جماح حزب الله.
ورغم هذا، برزت نقطة احتكاك برفض السناتور ليندسي غراهام لهذه الخطوة واصفًا إياها بالخاطئة، بالتزامن مع إصدار نتنياهو بيانًا مشتركًا مع قادة الأمن والجيش أكد فيه استمرار العمل الأمني في الجنوب دون الإشارة لحرية الحركة الكاملة، وهو ما علق عليه ترامب بقدرته على حل المعضلات سريعًا مع نتنياهو.
وفيما يتطلع المراقبون إلى جولة المحادثات المباشرة المرتقبة في وزارة الخارجية الأمريكية بقيادة ماركو روبيو لبحث الانسحاب التدريجي الإسرائيلي مقابل نشر الجيش اللبناني، يرى منتقدون أن إقحام إيران يعيق الحل، بينما تصر الخارجية الأمريكية على أن ضبط الأوضاع سيمنح الأطراف فرصًا أكبر لإنجاح المفاوضات ونزع سلاح الحزب مستقبلاً، وهو هدف تظل آفاق تحقيقه على أرض الواقع بعيدة المنال.













