تكشف الأبحاث العلمية أن التغيرات الجوية المتطرفة لا تتوقف عند حدود تبديل الطقس أو رفع درجات الحرارة فحسب، بل تمتد لتسجيل ظواهر بالغة الغرابة البيولوجية والجغرافية والأنثروبولوجية، وهو ما تفعله ظاهرة النينيو.
وتوضح تقارير وكالات الفضاء الدولية أن ظاهرة النينيو تمتلك من القوة الفيزيائية ما يكفي للتأثير المباشر على حركة دوران الأرض حول محورها، وإطالة اليوم الكوني بوحدات قياسية دقيقة.
وحيثما تتداخل هذه القوى الطبيعية العنيفة، تنهار السلاسل الغذائية في المحيطات لتصيب الكائنات النادرة بالمجاعات، في حين دفعت الاضطرابات الجوية القديمة المجتمعات البشرية الغابرة إلى ممارسات طقسية يائسة ومرعبة استرضاءً للطبيعة.
ظاهرة النينو تبطئ حركة كوكب الأرض
أثبتت الأبحاث المتقدمة التي جرت برعاية الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء الأمريكية (NASA)، تأثيرًا فيزيائيًا مذهلًا لظاهرة النينيو على سرعة دوران الأرض.
ويرجع هذا التباطؤ الملحوظ إلى قانون "حفظ الزخم الزاوي"؛ فوفقًا للشرح الفيزيائي الذي قدمه الباحثون في مركز "غودارد" لرحلات الفضاء التابع لـ "ناسا"، فإن تسخين مياه المحيط الهادئ ينقل كميات هائلة من الطاقة والزخم إلى الغلاف الجوي مسببًا تسارعًا كبيرًا في سرعة الرياح الغربية الاستوائية السطحية.
ولكي يبقى إجمالي الزخم الزاوي لمنظومة الأرض الصلبة والغلاف الجوي ثابتًا، يتعين على الأرض الصلبة أن تبطئ من سرعة دورانها تعويضًا عن ذلك التسارع الهوائي.
وتنطلق عملية رصد هذه التغيرات الدقيقة للغاية بوحدات "البيكوسيكند" عبر شبكة تلسكوبات الراديو العالمية لقياس التداخل مديد البصمة، والتي ترصد إشارات "الكوازارات" البعيدة في الكون بتمويل من وكالة "ناسا".
وأظهرت البيانات أنه أثناء دورة ظاهرة النينيو الاستثنائية لعامي 1997-1998، تسببت هذه القوة الفيزيائية في إطالة اليوم الأرضي بمقدار 0.6 ميللي ثانية في ذروتها، وبلغ مجموع الأيام الزائدة عبر الدورة كاملة نحو عُشر ثانية كاملة، في حين سجلت دورة 1982 زيادة بلغت 0.9 ميللي ثانية يوميًا عبر فترة زمنية بلغت 3 أشهر.
اكتشاف علاقة بين النينيو وهلاك الحيوانات
لا تتوقف الغرابة عند تباطؤ الكوكب، بل تمتد لتضرب التوازن البيولوجي في محميات غالاباغوس الطبيعية.
تشير الدراسات البيولوجية الرائدة المنشورة في مجلة "بايولوجيكال كونسيرفيشن" (Biological Conservation) أن غياب المغذيات وصعود التيارات الباردة أثناء حدوث ظاهرة النينيو يتسبب في انهيار كامل للسلسلة الغذائية البحرية حول الأرخبيل.
وتسببت هذه الدورة في موت الأسماك الصالحة للغذاء مثل السردين والبوري، مما ضرب طيور بطريق غالاباغوس، وهي الفصيلة الأكثر ندرة والمهددة بالانقراض، في صميم قدرتها على البقاء.
وسجلت الفرق البحثية انهيارات سكانية مروعة للفصيلة، حيث فني نحو 77% من مجتمع البطاريق قبالة دورة 1982-1983، ونحو 65% بعد دورة 1997-1998، فضلًا عن ترك الطيور الناجية عرضة للإصابة بنوبات طفيل الملاريا في الدم مما أعاق تعافيها الطبيعي.
التضحيات البشرية المرعبة عند حضارة تشيمو
قادت الاضطرابات المناخية العنيفة والفيضانات المدمرة المجتمعات القديمة، التي لم تكن مجهزة تقنيًا، إلى سلوكيات طقسية يائسة ومروعة للتكيف مع "غضب الطبيعة".
وكشفت الحفريات الأثرية وعمليات التنقيب الطارئة التي قادها علماء الآثار والأنثروبولوجيا من جامعتي فلوريدا وتولين، بالتعاون مع "ناشيونال غيوغرافيك"، عن أضخم موقع للتضحية الجماعية بالأطفال والحيوانات في التاريخ البشري قبالة سواحل دولة بيرو.
وواجه شعب حضارة "تشيمو" القديمة، التي اتخذت من عاصمتها الطينية "تشان تشان" مركزًا لها، أمطارًا طوفانية وسيولاً مدمرة ناجمة عن ظاهرة النينيو الفائقة، مما هدد بتدمير كامل لنظام الري الزراعي الحساس وقنوات المياه ومصائد الأسماك الساحلية التي تغذي المملكة.
وفي محاولة طقسية يائسة ومفجعة لاسترضاء الطبيعة وإيقاف الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة بين عامي 1400 و1450 ميلادية، نفذ كهنة الإمبراطورية أضخم عملية تضحية بشرية.
وعثرت فرق التنقيب في موقعي "بامبا لا كروز" و"هوانتشاكيتو-لاس ياماس" على جثامين أكثر من 250 طفلًا وطفلة من الأصحاء، إلى جانب ما يزيد عن 460 حيوانًا من صغار اللاما المنتقاة بعناية.














