شهدت نهاية عام 2025 احتفاءً كبيرًا بالممثل المحبوب "ديك فان دايك"، الشهير برقص النقر وبريق الأمل المميز في عينيه، بمناسبة إتمام عامه الـ100.
وفي عشية عيد ميلاده هذا، أصدر كتابًا يحمل عنوان "100 قاعدة للعيش حتى سن الـ 100: دليل متفائل لحياة سعيدة"، وقبيل نشر الكتاب، صرح فان دايك بجملة تعكس فلسفته الخاصة قائلاً: "أنا لا أستيقظ أبدًا في حالة مزاجية سيئة".
سر الـ100 عام
ويعد هذا الادعاء أمرًا مثيرًا للإعجاب بالنظر إلى العقود الطويلة التي عاشها على هذا الكوكب، وبينما قد يبدو هذا الموقف الإيجابي بعيد المنال للبعض، إلا أنه يمثل عاملاً جوهريًا في تفسير طول عمره الفائق.
وأكدت عالمة الصحة، يولانتا بورك، أن الأشخاص المتفائلين يمتلكون بالفعل فرصة أكبر للعيش لفترة أطول، مشيرة إلى أن العديد من الدراسات أظهرت ارتباطًا وثيقًا بين خفض مستويات التوتر والحفاظ على نظرة إيجابية ومتفائلة للحياة وبين طول العمر.
ورغم أنه لا توجد قائمة محددة من القواعد تضمن للإنسان عبور عتبة الـ100عام، فإن هناك عوامل تقع تحت سيطرتنا جزئيًا ويأتي التفاؤل في مقدمتها.
هذه الرؤية العلمية تستند إلى إرث ممتد من الأبحاث؛ حيث تشير بورك إلى دراسة طويلة الأمد بدأت في ثلاثينيات القرن الماضي واستهدفت راهبات مبتدئات، حيث طُلب منهن في شبابهن كتابة قصة حياتهن.
وبعد مرور 6 عقود، اكتشف الباحثون أن الراهبات اللواتي عبرن عن مشاعر أكثر إيجابية في كتاباتهن عشن في المتوسط 10 سنوات أطول مقارنة بغيرهن.
وفي دراسة أحدث أُجريت في المملكة المتحدة عام 2019، تبين أن التفاؤل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بإطالة العمر بنسبة تصل إلى 15% في المتوسط.
وأفاد الباحثون بناءً على تتبع مجموعتين كبيرتين من الأفراد، أن الأشخاص الأكثر تفاؤلاً كانت لديهم فرص أعلى بكثير لتحقيق "طول عمر استثنائي"، وهو ما يعني العيش حتى سن 85 عامًا أو أكثر.
ورغم أن العلماء لا يزالون يجهلون الآلية الدقيقة التي يجعل بها التفاؤل الإنسان أكثر صحة وطولاً في العمر، فإن لديهم بعض التفسيرات المحتملة؛ حيث ترتبط الإيجابية عادة بالشعور بالسعادة وامتلاك هدف في الحياة وبناء علاقات اجتماعية مرضية، وهي كلها عوامل تعزز طول العمر.
في هذا الصدد، أظهرت أطول دراسة مستمرة في العالم حول السعادة، والتي انطلقت منذ عام 1938 وامتدت لقرابة 9 عقود، نمطًا واضحًا للغاية؛ إذ وجد مؤلفو الدراسة أن المؤشر الأقوى للحياة السعيدة وذات المغزى لا يكمن في الجينات الجيدة، بل في مدى الرضا والراحة التي يشعر بها المرء تجاه حياته اليومية.
وأثبتت المؤشرات أن المشاركين الذين كانوا يعيشون حالة من الرضا التام عن محيطهم الاجتماعي من أصدقاء وعائلة في منتصف العمر، كانوا الأكثر صحة عند بلوغهم سن الـ80، كما كانوا أقل عرضة للإصابة بالأمراض وأسرع تعافيًا منها.
ويرجح العلماء أن الحياة الاجتماعية الغنية تعمل كدرع واقٍ يمتص ضغوط وقلق الحياة اليومية ومخاوفها.
العوامل الوراثية
واليوم، يُقدر بعض العلماء أن الوصول إلى سن الـ90 يعتمد بنسبة 30% فقط على العوامل الوراثية، بينما تعود النسبة الأكبر والبالغة 70% إلى السلوكيات الصحية كالنظام الغذائي والنشاط البدني، والتي تندرج تحتها الحالة الذهنية الإيجابية المدعومة بالتواصل مع المقربين.
وهذه الحالة لا تقتصر على فان دايك وحده، فقد أتم "ديفيد أتينبورو" أيضًا عامه الـ100 في وقت سابق من هذا العام، ورغم أنه صرّح للصحافة في عيد ميلاده الـ90 بأن طول عمره يعود إلى الحظ الخالص، إلا أن هناك عوامل سلوكية عززت ذلك بلا شك.
فمثله مثل فان دايك، حافظ أتينبورو على نشاطه البدني والاجتماعي حتى في فترات شيخوخته المتأخرة ولم يخفت شغفه بالطبيعة قط، بل إنه يواصل العمل معبرًا عن مَقته الشديد لفكرة التقاعد.
وتدعم الأدلة العلمية هذا التوجه، حيث تظهر البيانات أن البالغين فوق سن الـ50 الذين يملكون غاية واضحة في الحياة يتمتعون بنواتج صحية وجسدية وعقلية أفضل.
شيخوخة صحية
وقد أكدت هذه النتائج أضخم وأشمل دراسة عالمية تناولت المعمرين وعائلاتهم في الولايات المتحدة؛ حيث كشفت أن أبناء المعمرين يميلون لامتلاك شعور قوي بالهدف في الحياة مقارنة بعامة الناس، وهو ما ارتبط لديهم بانخفاض معدلات الإصابة بالأمراض والإعاقات والضعف الإدراكي.
وتعليقًا على ذلك، ذكرت الباحثة المشاركة وعالمة الإحصاء الحيوي من جامعة بوسطن "باولا سيباستياني" عام 2018، أن الشيخوخة الناجحة لا تعني مجرد الهروب من المرض أو تأخيره، بل إن الرضا عن الحياة يمثل ركيزة أساسية للشيخوخة الصحية.
واختصر ديك فان دايك هذه الفلسفة الشاملة في كتاب آخر له بعنوان "استمر في التحرك"، حيث كتب: "الشيخوخة جزء منها حقيقة، وجزء حالة ذهنية، وجزء منها حظ".
ويبدو أن الواقع يصدق على ما ذهب إليه؛ فبريق الأمل والنشاط والحيوية في الخطوات قد لا تمنح الحياة لسنوات الإنسان فحسب، بل تضيف سنوات مديدة إلى حياته أيضًا.












