شهد مونديال 2026 ظاهرة لافتة جذبت أنظار الملايين من عشاق كرة القدم حول العالم؛ وهي الانتشار الواسع وغير المسبوق للأحذية الوردية بين اللاعبين.
وقبل وقت قصير من تسليم الكأس الذهبية الغالية لقائد الفريق المنتصر على أرض ملعب "ميتلايف" في 19 يوليو، سيتم تقديم جائزة "الحذاء الذهبي" لهداف البطولة، لكن بالنظر إلى المعطيات والمباريات التي لُعبت حتى الآن، فإن هذا الحذاء يستحق في الواقع أن يكون وردي اللون بدلاً من الذهبي.
لقد تحولت الملاعب المستضيفة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك هذا الصيف، دون تخطيط مسبق، إلى مسرح لما يمكن تسميته بـ "كأس العالم للفوشيا".
ظاهرة تجتاح المونديال
وتجلت هذه الظاهرة منذ اللحظات الأولى للبطولة، وتحديدًا في المباراة الافتتاحية التي جمعت بين منتخبي المكسيك وجنوب أفريقيا على استاد "أزتيكا" العريق؛ حيث وطئت أقدام جميع اللاعبين الأساسيين العشب الزمردي المقدس وهم يرتدون أحذية بلمسات وردية، باستثناء 3 لاعبين فقط من أصل 22 لاعبًا.
ولم يتوقف هذا الاتجاه عند تلك المباراة، بل استمر في التصاعد مدفوعًا بأبرز نجوم اللعبة العالميين من أمثال كيليان مبابي وإيرلينغ هالاند، وصولاً إلى منتخبات الدول الصغيرة المشاركة؛ إذ ظهرت مجموعات كاملة من لاعبي منتخبي الرأس الأخضر وكوراساو وهم يرتدون نفس لوحة الألوان الوردية.
ولم تكن هذه الموجة مفاجئة للمطلعين والمتابعين عن قرب لعالم المستلزمات والملابس الرياضية؛ فقد كانت المؤشرات واضحة للعيان قبل ركل الكرة الأولى للبطولة.
تنافس الشركات العالمية
حيث كشفت الشركات الكبرى المصنعة للأحذية مثل "أديداس" و"نايكي" و"بوما" و"نيو بالانس"، بالإضافة إلى شركة "سكيتشرز"، التي دخلت مجال أحذية كرة القدم حديثًا عام 2023 ويقود حملاتها نجم الهجوم الإنجليزي هاري كين، عن مجموعات أحذيتها الجديدة المخصصة للمونديال.
وعلى الرغم من اختلاف المسميات التي أطلقتها كل علامة تجارية على درجات الألوان مثل "سولار توربو" من أديداس و"بويزن بينك" من بوما، إلا أن التشابه في النتيجة النهائية كان مذهلاً.
وفي محاولة لفهم هذا التوجه الجماعي نحو اللون الوردي، يوضح روب شيلدون، رئيس قسم منتجات كرة القدم في شركة "نيو بالانس"، أن الألوان الزاهية تمنح رؤية واضحة للغاية؛ فهي تساعد اللاعبين على تحديد مواقع بعضهم البعض وسط فوضى المباريات الحماسية، كما أنها تجذب أنظار ملايين المشجعين خلف الشاشات وفي المدرجات نحو شعارات الشركات المصنعة.
وإلى جانب التسويق، يرتبط هذا الخيار بطبيعة نجوم الكرة المعاصرين الذين تحولوا إلى علامات تجارية بحد ذاتهم.
فبالنظر إلى 5 من سفراء "نيو بالانس" المشاركين في البطولة، وهم: إيبيريتشي إيز، وبوكايو ساكا، وإندريك، وتيموثي وياه، ويان ديوماندي، نجد أنهم يمتلكون مجتمعين أكثر من 32 مليون متابع على منصة إنستغرام؛ ومن ثمّ أصبح التعبير عن الشخصية والتميز جزءًا لا يتجزأ من عملية التصميم.
ويعكس هذا المشهد تقارب اتجاهين بارزين: رغبة الرياضيين في الحصول على أحذية تقدم أعلى مستويات الأداء التقني وتطلعهم في الوقت نفسه لمنتجات تعكس هويتهم الفردية.
وتتفق شركة "نايكي" مع هذا الطرح؛ حيث أشار أودينجا نيماكو، مدير إدارة منتجات الأحذية بالشركة، إلى أن اختيار اللون الوردي الصاخب ينبع من كونه يعزز شعور الثقة لدى اللاعبين، فارتداء لون بهذا السطوع يبعث برسالة ضمنية مفادها أن اللاعب يجب أن يكون بارعًا ومتميزًا حقًا ليرتديه، بالإضافة إلى أن اللون الوردي بات يحظى بقبول واسع يخرجه من النطاق الضيق ليخاطب جمهورًا عريضًا.
مع ذلك، يؤكد المصممون أن الأناقة لا تتقدم على الجوهر؛ فاللاعبون يختارون أحذيتهم بناءً على قدرتها على مساعدتهم في تقديم أفضل أداء، بينما يظل اللون هو الجزء الظاهري لقصة المنتج.
وثمة تفسير آخر يتعلق بالتنبؤ بالاتجاهات؛ ففي مايو 2024، توقعت شركة "WGSN" المتخصصة في تحليل سلوك المستهلكين الألوان الـ5 التي ستهيمن على عام 2026، وحل لون "الفوشيا الكهربائي" في المرتبة الثانية.
ومع سعي المستهلكين نحو التفاؤل والتميز، تحققت هذه النبوءة؛ إذ بات اللون الوردي الزاهي يشكل 48.2% من الأحذية الوردية، محققًا زيادة في الحصة الإجمالية لألوان أحذية كرة القدم.
وفي ظل هذا الاقتصاد الرياضي، لم يعد اللون مجرد زينة بل تحول إلى "عملة تجارية" وإشارات ثقافية تحول الأحذية والمعدات إلى رموز تعبيرية.
ويعزو المصمم الشهير كريستيان تريسر هذا التشابه إلى اعتماد شركات التسويق وتحليل الاتجاهات على نفس المصادر.
تميز الألوان الأخرى
المفارقة هنا أنه مع كثرة الأحذية الوردية، أصبحت الأحذية الأكثر تميزًا هي تلك التي تحمل ألوانًا أخرى؛ كما ظهر مع الأيقونة الأرجنتينية ليونيل ميسي الذي خطف الأنظار وتصدر الهدافين مبكرًا بحذائه المخصص "التانغو الأخير" من أديداس باللونين الأزرق والأبيض اللذين يرمزان لبلاده، أو قائد المنتخب الأمريكي كريستيان بوليسيتش بحذائه المزين بالنجوم من بوما.
ومع ذلك، يظل اللون الوردي هو السيد الأول للمستطيل الأخضر في هذا المونديال.











