في خطوة وصفتها الحكومة البريطانية بالتاريخية، أعلن رئيس الوزراء "كير ستارمر" عن توجه بلاده لفرض حظر شامل على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الـ16.
وتأتي هذه الخطوة مدفوعة برغبة حكومية جادة في حماية الأطفال عبر الإنترنت، حيث صرّح ستارمر في رسالة فيديو مسجلة بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تجعل الأطفال غير سعداء وغير آمنين، مؤكدًا من منطلق مسؤوليته كأب ورئيس للوزراء على حد سواء، أنه لم يعد ممكنًا السماح باستمرار هذا الوضع.
ومن المقرر أن يعرض هذا التشريع الجديد على البرلمان قبل أعياد الميلاد، على أن تدخل حزم الحماية حيز التنفيذ في الربيع المقبل.
نطاق الحظر
ووفقًا للبيان الحكومي الصادر، فإن القيود المقترحة ستستهدف منصات كبرى تشمل سناب شات، تيك توك، يوتيوب، إنستغرام، فيسبوك وإكس، بالإضافة إلى حظر وظائف معينة كالبث المباشر وآليات التواصل بين الغرباء والأطفال دون السن المحددة.
في المقابل، أوضحت الحكومة أنه لا توجد نية لتضمين خدمات المراسلة المباشرة مثل واتساب وسيغنال ضمن هذا الحظر.
هذا التحرك يأتي بعد فترة من الدراسة والتشاور خاضتها حكومة ستارمر، مستندة إلى استطلاع استشاري وطني حظي بأكثر من 116 ألف استجابة، وأظهرت نتائجه تأييدًا شعبياً جارفًا؛ إذ يرى 83% من أولياء الأمور أن مخاطر هذه المنصات تفوق فوائدها، بينما دعم 90% منهم تحديد سن الـ16 كحد أدنى للوصول إليها.
وعلى الرغم من الزخم الذي يحيط بالقرار، إلا أن تفعيله على أرض الواقع يواجه تحديات جمة وعقبات إنفاذ تاريخية، نظرًا لقدرة الأطفال المستمرة على الالتفاف على قيود السن.
واعترف ستارمر بصعوبة المهمة، مؤكدًا أن الحكومة لم تتسرع في اتخاذ القرار بل درست الأدلة بعناية، وهي مستعدة لتكييف نهجها مع تطور التكنولوجيا والاستفادة من تجارب الدول الأخرى، مثل أستراليا التي سبقت بريطانيا في هذا المسار ولكنها واجهت صعوبات ملموسة.
حيث كشفت مفوضية السلامة الإلكترونية الأسترالية أن 7 من كل 10 آباء أفادوا باستمرار امتلاك أطفالهم لحسابات على المنصات المحظورة رغم سريان القانون هناك.
ورغم إدراك رئيس الوزراء البريطاني بأن القرار سيواجه مقاومة عنيفة من أقوى شركات التكنولوجيا في العالم، فقد شدد على عزم حكومته مواجهتها والانتصار عليها.
المبادرات البديلة
ولم يقتصر التحرك البريطاني على الجانب التشريعي فحسب، بل امتد ليشمل مبادرات تدعم البدائل الرقمية؛ حيث أعلنت المملكة المتحدة عن تمويل برنامج جديد بقيمة 132.5 مليون جنيه إسترليني يحمل اسم "كل طفل يستطيع" لتعزيز الأنشطة الرياضية والفنية والطبيعية في المدارس والمجتمعات كبديل لتصفح الشاشات.
وتكاملت هذه الجهود مع طلب وجهه ستارمر الأسبوع الماضي لشركات عملاقة مثل أبل وجوجل لمنع الأطفال من تداول أو استعراض الصور العارية، مانحًا إياها مهلة 3 أشهر للتنفيذ قبل فرض تشريع ملزم، وهو ما يهدف إلى قطع الطريق أمام المفترسين عبر الإنترنت وحجب المواد الإباحية عن الأطفال.
وفي خطوة موازية، بدأت شركة أبل بالفعل تطبيق آليات للتحقق من السن لمستخدمي أجهزتها في لندن عبر بطاقات الهوية أو الائتمان أو تفعيل فلاتر المحتوى التلقائية.
ردود فعل متباينة
هذا التوجه الحكومي الواسع أثار ردود فعل متباينة محليًا ودوليًا؛ فبينما أشادت الجمعية الوطنية لمنع القسوة ضد الأطفال بالطموح الحكومي مع التشديد على ضرورة إلزام المنصات بفحوصات قوية للتحقق من السن، حذر متحدث باسم منصة "يوتيوب" من أن الحظر الشامل قد يأتي بنتائج عكسية ويدفع الأطفال نحو فضاءات مجهولة وأقل أمانًا بعيدًا عن التجارب المنظمة والآمنة.
بدورها، شككت منظمة "المادة 19" الحقوقية في جدوى الحظر، معتبرة على لسان مستشارتها القانونية أن المخاطر الحقيقية المرتبطة بالإنترنت تنبع أساسًا من طريقة بناء المنصات وتصميمها وآليات جني الأرباح منها وليس من مجرد وجود الأطفال متصلين بالشبكة.
وعلى الصعيد الدولي، ينذر القرار بزيادة وتيرة التوترات السياسية مع الولايات المتحدة، لا سيما مع الانتقادات المستمرة من ساسة أمريكيين مثل نائب الرئيس جي دي فانس بشأن واقع حرية التعبير في بريطانيا.
وفي هذا الإطار، أعربت السفارة الأمريكية في لندن عن قلقها من الأعباء الكبيرة التي قد تلحق بشركات التكنولوجيا الأمريكية جراء هذه اللوائح، مقترحة أن تصاغ القيود بنطاق ضيق يضمن عدم انتهاك حمايات حرية التعبير.
وتتزامن هذه التطورات مع مواجهة شركات التواصل الاجتماعي في أمريكا لدعاوى قضائية متزايدة تتهمها بالإضرار بالصحة العقلية للأطفال والإخفاق في حمايتهم.
مما يضع آليات "التحقق الإلزامي من السن"، سواء عبر الهويات الرسمية أو تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الوجه، في قلب النقاش العالمي المحتدم بين مؤيد يراها ضرورة قصوى لحماية القصر ومعارض يخشى تداعياتها على الخصوصية وحرية التعبير الرقمي.












