يشترك الكثير من البشر منذ الأزل في ظاهرة التفكير في المشكلات ليلا، رغم النصيحة القديمة بأن أفضل ما يمكن فعله عند مواجهة معضلة صعبة هو تركها والخلد إلى النوم والبحث عن حل في الصباح.

ولطالما اعتقد البعض أن هذا التأثير مجرد وهم، إلا أن الأبحاث العلمية الحديثة تؤكد أن النوم ليس مجرد حالة من الخمول، بل هو عملية نشطة يعيد فيها الدماغ ترتيب أوراقه وتعزيز قدراته الإبداعية.

ويساعد التفكير في المشكلات ليلا صاحبه في الاستفادة من الحقيقة البيولوجية التي تشير أن العقل يستمر في العمل "خلف الكواليس" لدمج المعلومات الجديدة في شبكة الذكريات طويلة الأمد أثناء النوم، مما يساعدنا على رؤية الأمور بوضوح أكبر عند الاستيقاظ.

لماذا ينتج التفكير في المشكلات ليلا حلولا؟

يلعب النوم دورًا محوريًا في تقوية الذاكرة وفقًا لنظرية "توطيد الأنظمة النشطة"، حيث يقوم الدماغ بإعادة تشغيل الذكريات القديمة والحديثة لدمجها وتثبيتها.

وتكشف دراسة أجريت عام 2021 أن النوم يحسن القدرة على حل الألغاز بنسبة تصل إلى 62% مقارنة باليقظة، إذ يعمل التآزر بين مراحل النوم المختلفة على فتح آفاق إبداعية جديدة.

كما أظهرت تجارب استُخدمت فيها أصوات مرتبطة بالألغاز أثناء نوم المشاركين أن تحفيز الدماغ في هذه المرحلة يساعد في "برمجة" العقل للوصول إلى الحلول، مما يؤكد أن الدماغ يواصل التفكير في المشكلات ليلا بطريقة احترافية، أي أثناء النوم، تفوق قدراته أثناء الاستيقاظ.

ومع ذلك، يضع العلماء شرطًا أساسيًا لهذه العملية؛ فالنوم لن يمنحك المعرفة من العدم، بل سيساعدك فقط على ربط قطع الأحجية التي تمتلكها بالفعل، فإذا كنت تعاني من مشكلة تقنية أو قرار صعب، فإن التفكير في المشكلات ليلا قبل النوم يهيئ عقلك للقيام بعملية "إعادة تنظيم" تجعلك أكثر عقلانية وأقل تأثرًا بالانحيازات الأولية عند اتخاذ القرار في الصباح، مما يحول ساعات الراحة إلى مختبر حقيقي للأفكار.

منطقة الإبداع الذهبي وسر توماس إديسون

يعتبر الخبراء أن لحظة الانتقال من اليقظة إلى النوم هي "البقعة الذهبية" للإبداع، وهي الحالة التي استغلها المخترع توماس إديسون عبر طريقته الشهيرة بمسك ملعقة لتوقظه بمجرد الغرق في النوم.

وتدعم الأبحاث الفرنسية الحديثة هذه الفكرة، حيث وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يمرون بمرحلة "بداية النوم" القصيرة يكونون أكثر قدرة على اكتشاف "القواعد المخفية" للمسائل الرياضية المعقدة.

وتعزز ممارسة التفكير في المشكلات ليلا قبل الوصول إلى هذه المرحلة الانتقالية من فرص العثور على حلول "خارج الصندوق" لم تكن تخطر على البال في وضح النهار.

وعلى الرغم من أن التفكير في المشكلات ليلا قد لا يكون عمليًا في جميع المواقف، إلا أن العلم أثبت أن نصيحة الجدات "نَمْ وسوف تجد الحل" هي نصيحة قائمة على أساس علمي متين، فالدماغ لا يتوقف عن العمل، بل يبحث عن التوازن والمنطق في هدوء الليل، مما يجعل النوم أداة استراتيجية لا غنى عنها لاتخاذ قرارات سليمة وحل الأزمات المستعصية، شريطة أن نمنحه المادة الخام اللازمة من المعلومات قبل إطفاء الأنوار.