يشهد القطاع القانوني اليوم تحولاً لافتًا مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى أروقته، حيث برزت منصات متخصصة تمتلك القدرة على قراءة العقود وصياغة المذكرات والدعاوى والبحث في الأنظمة واللوائح خلال دقائق معدودة.
وهو مشهد يختلف تمامًا عما كان عليه الوضع في السابق حين كان المحامي يقضي ساعات طويلة أو يومًا كاملاً للقيام بهذه الأعمال الروتينية.
ومع هذا التطور، يرى المحامي الأستاذ عبد الله البرادي أن وصف هذه التقنية بـ "المحامي الرقمي" ينطوي على مبالغة، والأدق هو تسميتها "المساعد القانوني الذكي"، نظرًا لأن الفائدة الحقيقية منها تتمثل في جمع المعلومات واختصار الوقت والجهد ومحاولة تقديم بعض التحليلات المساعدة.
الأمر الذي يسهم بشكل مباشر في خفض تكلفة الخدمات القانونية على المستفيدين، لأن المحامي يحسب أتعابه عادة بناءً على الوقت والجهد المبذولين في القضية.
عيوب التقنية ومخاطرها
ورغم هذه المزايا، فإن الاعتماد المطلق على مخرجات الذكاء الاصطناعي ينطوي على مخاطر وسلبيات عديدة؛ فالتقنية تقع في أخطاء كثيرة عند التحليل، والتي قد تستند إلى مشاريع أنظمة لم تصدر بعد أو قوانين ملغية وغير سارية لعدم قدرتها على التمييز بينها.
كما أنها تعجز تمامًا عن استيعاب المسائل الفقهية الدقيقة كمعرفة الناسخ والمنسوخ والتمييز بين القواعد الآمرة التي لا يجوز مخالفتها والقواعد المكمله التي يمكن للأطراف الاتفاق على عكسها.
ويمتد هذا القصور إلى صياغة ومراجعة العقود المعقدة، فالذكاء الاصطناعي لا يمكنه توقع كافة السيناريوهات المحتملة ويعجز عن فهم "إرادة الأطراف" الحقيقية وابتكار وسائل قانونية جديدة خارج الصندوق لتحقيق أهدافهم.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز إشكالية سرية البيانات كأحد العيوب الأساسية، حيث تقوم الأنظمة الذكية بتغذية وتطوير نفسها مستقبليًا من خلال البيانات الحساسة والمدخلات التي يرفعها المستخدمون، ما يرفع من احتمالية استفادة أطراف أخرى من هذه المعلومات في قضايا مختلفة.
ويتضح التباين بين الفهم البشري والقدرة التقنية عند استعراض مراحل القضية؛ فالمرحلة الأولى المتمثلة في "التكييف القانوني" ومعرفة طبيعة القضية والنظام الذي تندرج تحته هي عمل بشري خالص يعجز عنه الذكاء الاصطناعي تمامًا، بينما يتفوق الذكاء الاصطناعي في المرحلة التالية الخاصة بجمع المادة العلمية والقانونية المقاربة لهذا التكييف بشكل ممتاز يختصر الوقت.
مستقبل سوق العمل
أما مرحلة التخطيط للدعوى ورسم خطة سير القضية فهي أشبه بمعركة مصغرة أو لعبة شطرنج تتطلب حكمة مهارية من المحامي لمعرفة متى يهاجم ومتى يتراجع وكيف يستدرج الخصم، إلى جانب مهارة التواصل الفعال وعرض الفكرة بالطريقة الصحيحة على القاضي بناءً على فهم شخصيته وتوجهه، وهي مهارات لن يكتسبها الذكاء الاصطناعي إطلاقًا.
لذلك، فإن الشخص الذي يستند إلى استشارة خاطئة من نظام ذكي قد يتعرض لخسارة قضيته، وفي حال تضرر العميل من استشارة قدمها له وكيله أو محاميه استنادًا للتقنية، يحق له رفع دعوى مسؤولية والمطالبة بالتعويض عن كل ما لحق به من ضرر.
وفيما يتعلق بمستقبل الوظائف، فإن الذكاء الاصطناعي لن يقضي على مهنة المحاماة بشكل عام لأن العقل البشري هبة من الله لا يمكن صناعة مثلها في الفهم والإدراك، لكنه يهدد بشكل مباشر الوظائف المعتمدة على المنطق الحسابي المجرّد، إلى جانب مهنة المساعد القانوني التقليدي الذي يقتصر عمله على جمع المواد العلمية أو كتابة العقود النمطية العادية دون تعمق.
بالتالي، فإن المنافسة المستقبلية لن تكون مع المكاتب القانونية الكبيرة في القضايا والعقود المعقدة، بل ستنحصر في الأعمال والاستشارات البسيطة.
وبناءً على ذلك، فإن الفوز في الميدان حاليًا ومستقبلاً سيكون للمحامي الذي يجيد توظيف الذكاء الاصطناعي كمساعد يومي لجمع البيانات مع الاعتماد على عقله وفهمه لفلترتها وتحليلها، في حين سيخرج المحامي التقليدي الذي يرفض استخدام التقنية تمامًا خارج اللعبة القانونية.
مع ذلك، يحذر الأفراد من قبول واستخدام الاستشارات القانونية الصادرة مباشرة من أنظمة الذكاء الاصطناعي دون مقابلة محامٍ مختص، كما تمنع المكاتب القانونية المحترفة استخدام هذه التقنية كبناء أو أساس لإعداد المذكرات دون إخضاعها للفحص والتحليل البشري الدقيق.













