تعيش شركة "غوغل" اليوم واحدة من أكثر اللحظات حرجًا في تاريخها الممتد لربع قرن؛ فالمحرك الذي كان يومًا بوابتنا الوحيدة للإنترنت، يواجه الآن تهديدًا وجوديًا من روبوتات الدردشة التي تفهم لغتنا البشرية دون الحاجة لتخمين "الكلمات المفتاحية".
وفي خطوة استباقية وصفتها شركة غوغل بأنها "أكبر تغيير في مربع البحث منذ ظهوره"، أعلنت غوغل عن تحول جذري يعيد ابتكار "البقرة الحلوب" التي تمول إمبراطوريتها، محولة البحث من مجرد استعلام جامد إلى حوار تفاعلي مستمر مدعوم بذكاء اصطناعي توليدي يتوقع احتياجات المستخدم قبل أن يطلبها.
عصر "الوكلاء الذكي"
النقلة النوعية الكبرى التي أعلن عنها "ديميس هاسابيس"، رئيس وحدة "غوغل ديب مايند"، هي دمج "الوكلاء" (Agents) داخل محرك البحث. هذا يعني أن البحث لن ينتهي بمجرد ظهور النتائج، بل يمكنك إنشاء "استعلام دائم" يعمل كوكيل معلومات خاص بك؛ ينبهك لمواعيد الحفلات، يتابع تخفيضات التسوق، أو حتى يلخص لك الأخبار المتكررة لحظة بلحظة.
وهذه محاولة ذكية لإبقاء المستخدم داخل نظام غوغل ومنعه من الهجرة نحو روبوتات الدردشة المستقلة، عبر تحويل البحث من "أداة إيجاد" إلى "مساعد شخصي" مدمج في كل تفاصيل حياتنا الرقمية.
ويتجاوز رهان غوغل الجديد متصفحات الإنترنت ليصل إلى أجسادنا؛ فبعد عقد من فشل "Google Glass"، تعود الشركة وبقوة إلى سوق الأجهزة القابلة للارتداء. بالتعاون مع سامسونغ وشركاء في عالم الموضة مثل "واربي باركر"، إذ ستطلق غوغل هذا الخريف نظارات ذكية "صوتية فقط" تعتمد على براعة الذكاء الاصطناعي للتميز عن منافسيها مثل "ميتا".
كما قدمت الشركة نظرة عملية على "مشروع أورا" (Project Aura)، وهو جهاز واقع معزز يطمس الحدود بين الواقع الرقمي والحقيقي، مما يشير إلى أن غوغل ترى مستقبل البحث ليس فقط في الكلمات، بل في الرؤية والتفاعل الصوتي المباشر مع العالم المحيط.
وأرادت غوغل إيصال رسالة واضحة وهي: "إجابتنا على تهديد الذكاء الاصطناعي هي تحويل كل شيء نصنعه إلى ذكاء اصطناعي"، من ميزة "اسأل يوتيوب" التي تدمج النصوص بالفيديو، إلى إطلاق Gemini 3.5 Flash ومساعد "سبارك" (Spark) المدمج في متصفح كروم، تسعى غوغل لخلق تجربة مستخدم لا يمكن الهروب منها.
وتُعد تلك التطويرات بمثابة عملية إعادة تدوير شاملة لنموذج عمل شركة غوغل، تهدف إلى إثبات أن عملاق البحث لا يزال قادرًا على الابتكار، وأن الوصف اللغوي الطبيعي هو المستقبل الفعلي للعثور على المعلومات في عالم يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.













