عطّل سوء الأحوال الجوية عددًا من المباريات التحضيرية لكأس العالم خلال الأسبوع الذي سبق انطلاق البطولة، وشهدت ولاية فلوريدا تأخر إحدى مباريات الإحماء للمنتخب الإنجليزي لمدة ساعة مساء الأربعاء بسبب عاصفة مفاجئة.
وتشير التوقعات إلى احتمال استمرار العواصف خلال الأيام المقبلة، ما يرفع من احتمالات تأثر بعض مباريات الأيام الأولى من البطولة، مع بلوغ مستوى المخاطر ذروته بحلول يوم الاثنين. وفي هذا السياق، تخوض اسكتلندا أولى مبارياتها في بوسطن بأجواء دافئة وجافة نسبيًا مساء السبت بتوقيت الولايات المتحدة، في ظروف تُعد مستقرة مقارنة بمناطق أخرى.
في المقابل، يواجه المنتخب الإنجليزي اختبارًا مناخيًا مختلفًا في ولاية تكساس، حيث يستضيف ملعب دالاس مباراته أمام كرواتيا وسط درجات حرارة مرتفعة ورطوبة متزايدة، رغم توفر سقف قابل للسحب ونظام تكييف داخل الملعب، ما يوفر بيئة أكثر استقرارًا داخل أرضية اللعب مقارنة بالظروف الخارجية، بحسب هيئة الإذاغة البريطانية "BBC".
طقس قاسٍ يهدد مباريات كأس العالم
وفي ميامي، تتصدر الحرارة والرطوبة قائمة المخاوف، حيث من المقرر أن يلتقي المنتخب السعودي نظيره الأوروغوياني يوم الثلاثاء في تمام الساعة الواحدة صباحًا بتوقيت المملكة، وسط درجات حرارة تقارب 30 درجة مئوية، مع ارتفاع مستويات الرطوبة بما يجعل الإحساس الحراري يقترب من 40 درجة مئوية.
ووفق مؤشر درجة حرارة الكرة الرطبة "WBGT" المستخدم من قِبل الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" وعدد من الهيئات الرياضية، فإن تجاوز 28 درجة مئوية يُعد عتبة حرجة لبدء مخاطر الإجهاد الحراري لدى اللاعبين، مشيرًا إلى التقديرات إلى أن المؤشر في ميامي قد يصل إلى نحو 30 درجة مئوية، ما يضع الأجواء ضمن التصنيف عالي الخطورة وفق معايير "فيفبرو".
ولا تقتصر المخاطر على درجات الحرارة المرتفعة، إذ تُظهر التوقعات أيضًا احتمال حدوث عواصف رعدية، وهو ما قد يؤدي إلى تعليق المباريات في حال اقتراب العواصف من محيط الملاعب لمسافة ثمانية أميال، حيث يتم إيقاف اللعب لمدة لا تقل عن 30 دقيقة حفاظًا على سلامة اللاعبين والجماهير، مع إمكانية استئناف المباراة بعد مرور 30 دقيقة من آخر رصد لبرق في المنطقة.
وتتباين الظروف المناخية في تكساس، حيث تصل درجات الحرارة إلى الثلاثينيات المنخفضة مع ارتفاع في معدلات الرطوبة، ما قد يرفع الإحساس الحراري إلى نحو 40 درجة مئوية. ورغم ذلك، يساهم نظام التكييف والسقف القابل للسحب في ملعب دالاس في التخفيف من حدة الظروف داخل أرضية الملعب، وفقًا لـ"BBC".
أما اسكتلندا، فتخوض مباراتها الأولى في بوسطن في أجواء أكثر اعتدالًا، بدرجات حرارة تقارب 25 درجة مئوية، وهي ظروف تُعد طبيعية نسبيًا لمثل هذا التوقيت من العام.
كيف يفرض الطقس إيقاعه على المباريات؟
وتشير تحليلات رياضية حديثة إلى أن تأثير الطقس لا يقتصر على ظروف اللعب المباشرة، بل يمتد إلى الأسلوب التكتيكي للفرق، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة إلى انخفاض عدد الهجمات المرتدة الناجحة، وتراجع معدلات المراوغة، مقابل زيادة الاعتماد على التسديد من مسافات بعيدة.
وفي الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم، برز اتجاه متزايد نحو الاعتماد على الأجنحة السريعة القادرة على المواجهات الفردية، وهو ما ينعكس في خيارات عدد من المنتخبات، من بينها إنجلترا، التي تضم لاعبين مثل ماركوس راشفورد وأنتوني جوردون ونوني مادويكي وبوكايو ساكا، إلى جانب أدوارهم في الضغط العالي.
غير أن تنفيذ هذه الأدوار في ظروف مناخية حارة قد يكون أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع الاعتماد المتزايد على انطلاقات الظهيرين من الخلف، مثل نيكو أورايلي ونونو مينديز وأشرف حكيمي، وهي تحركات تتأثر بشكل مباشر بالإجهاد البدني.
وفي تجارب سابقة، مثل كأس العالم للأندية التي استضافتها الولايات المتحدة الصيف الماضي، ظهرت بوضوح تأثيرات الطقس على الأداء، حيث اعتمد تشيلسي بقيادة إنزو ماريسكا على الضغط الفردي المكثف في بداية المباريات، قبل أن يتراجع الإيقاع تدريجيًا بفعل الإجهاد الحراري.
وقال ماريسكا في ذلك الوقت: "كنا نضغط على الخصم بشكل فردي ومباشر منذ البداية" مشيرًا إلى أن الضغط المبكر ساعد الفريق على فرض أفضليته، رغم صعوبة الحفاظ على نفس النسق طوال اللقاء.
الطقس يدخل كعنصر في خطط اللعب
ويرى عدد من المدربين السابقين أن تأثير المناخ لا يقتصر على المباريات فقط، بل يمتد إلى طريقة إعداد اللاعبين وتطور أساليب اللعب داخل كل بلد، وفي كتابه "الوظيفة الإيطالية"، أشار جيانلوكا فيالي إلى دور الظروف الجوية في تشكيل فلسفة كرة القدم في الدول المختلفة.
كما أشار فابيو كابيلو إلى أن اختلاف المناخ بين الدول ينعكس على أساليب التدريب، موضحًا أن الرياح والمطر والبرد قد تحد من جودة العمل التكتيكي مقارنة بدول أكثر اعتدالًا.
وفي السياق ذاته، يرى مدربون مثل يورغن كلوب أن الطقس في إنجلترا، وخاصةً الرياح القوية، يفرض نمطًا أكثر كثافة وبساطة في اللعب، مع زيادة الاعتماد على الصراعات البدنية، ومع ذلك تظل التحديات المرتبطة بالحرارة والعواصف عنصرًا حاضرًا بقوة في مشهد كأس العالم، سواء على مستوى الأداء داخل الملعب أو التحضيرات الفنية والبدنية للمنتخبات.














