لم يكن وجود روجيه ميلا وريغوبيرت سونغ معًا في قائمة منتخب الكاميرون خلال كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة الأمريكية مجرد واقعة عابرة، بل شكّل رقمًا قياسيًا ظل حاضرًا في تاريخ البطولة؛ إذ بلغ الفارق العمري بينهما 24 عامًا و42 يومًا، وهو أكبر فارق مسجل بين زميلين في منتخب واحد بتاريخ المونديال.
كان ميلا قد بلغ 42 عامًا، بينما لم يتجاوز سونغ السابعة عشرة، ليجمع المنتخب الكاميروني بين لاعب صنع واحدةً من أشهر قصص كأس العالم، وموهبة ناشئة كانت تخطو أولى خطواتها على الساحة الدولية.
وجاءت مشاركة الثنائي بعد أربعة أعوام فقط من الإنجاز التاريخي للكاميرون في مونديال إيطاليا 1990، حين أصبح «الأسود غير المروضة» أول منتخب أفريقي يبلغ الدور ربع النهائي.
وبالطبع كان ميلا أحد أبرز نجوم تلك الرحلة، بعدما سجل أربعة أهداف ولفت الأنظار باحتفالاته الراقصة بجوار الراية الركنية.
ميلا يفتح الباب أمام موهبة شابة
شكّل استدعاء ريغوبيرت سونغ إلى قائمة كأس العالم 1994 مفاجأةً كبيرةً، نظرًا إلى صغر سنه وقلة خبرته الدولية، لكن روجيه ميلا، الذي كان يعرف إمكاناته من خلال لعبهما معًا في نادي تونير ياوندي، دعم انضمامه إلى المنتخب وأوصى باختياره.
وبالنسبة إلى سونغ، كان الانتقال من مشاهدة نجوم الكاميرون عبر شاشة صغيرة إلى مزاملتهم في كأس العالم أشبه بحلم تحقق سريعًا، فقد روى أنه تابع مونديال 1990 عبر تلفاز أبيض وأسود، وسط مجموعة من المشجعين الذين كانوا يترقبون مباريات الكاميرون بشغف كبير.
وكان ميلا تحديدًا واحدًا من اللاعبين الذين أثاروا إعجابه، بعدما تحوّل إلى رمز للإنجاز الكاميروني في إيطاليا.
وبعد أربعة أعوام فقط، وجد سونغ نفسه في غرفة الملابس نفسها مع اللاعب الذي تابعه طفلًا.
وتحدث سونغ لاحقًا عن شعوره عند الانضمام إلى القائمة، موضحًا أنه لم يصدق وجوده بين مجموعة من النجوم الذين ألهموه في طفولته، مؤكدا إن المشاركة في أول مباراة له بكأس العالم مثّلت تحقيقًا لحلم ظل يراوده منذ مشاهدة نسخة 1990.
ولم تكن علاقة الثنائي قائمةً فقط على الإعجاب؛ إذ أكد سونغ أنه استفاد كثيرًا من نصائح ميلا خلال التدريبات، وتعلم منه أهمية التمركز والخبرة والقدرة على قراءة المباريات.
رقم قياسي رغم إخفاق الكاميرون
لم يحقق المنتخب الكاميروني في مونديال 1994 النتائج التي كان يطمح إليها، بعدما تعادل مع السويد بنتيجة 2-2، وخسر أمام البرازيل بثلاثة أهداف دون رد، ثم تلقى هزيمةً قاسيةً أمام روسيا بنتيجة 6-1، ليغادر البطولة من دور المجموعات.
وشهدت مواجهة البرازيل طرد سونغ، الذي كان يبلغ 17 عامًا، ليصبح أصغر لاعب يحصل على بطاقة حمراء في تاريخ كأس العالم.
وعلى الرغم من البداية الصعبة لم تكن تلك الواقعة نهاية مسيرته، بل واصل الحضور مع الكاميرون في نسخ 1998 و2002 و2010، ليشارك في أربع بطولات لكأس العالم.
أما ميلا، فترك بصمته الأخيرة في المونديال خلال مواجهة روسيا، عندما سجل هدف الكاميرون الوحيد بعمر 42 عامًا و39 يومًا، ليصبح أكبر لاعب يسجل هدفًا في تاريخ كأس العالم، وهو رقم لا يزال يحتفظ به.
ورأى ميلا أن الجمع بينه وبين سونغ داخل المنتخب كان دليلًا على قدرة الكرة الكاميرونية على إنتاج المواهب عبر أجيال مختلفة.
وبينما كان مونديال 1994 الفصل الأخير في مسيرة ميلا الدولية، مثّل البطولة بدايةً لمسيرة طويلة لسونغ، وهكذا جمع الرقم القياسي بين نهاية رحلة أسطورة وبداية رحلة قائد مستقبلي في صورة اختصرت انتقال الخبرة من جيل إلى آخر داخل منتخب الكاميرون.








