مع انطلاق كأس العالم 2026 يعود سؤال يتكرر لدى الجماهير الهندية: لماذا لا يشارك بلد يتجاوز عدد سكانه 1.4 مليار نسمة في أكبر بطولة كروية في العالم؟
المفارقة أن البطولة تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة في ولايات مثل البنغال الغربية وكيرالا وغوا، بينما يواصل المشجعون الهنود دعم منتخبات أخرى في ظل عجز منتخب «النمور الزرقاء» عن تجاوز المراحل التمهيدية من التصفيات الآسيوية.
ورغم هيمنة الكريكيت على المشهد الرياضي في البلاد، لا تفتقر الهند إلى الشغف بكرة القدم أو المواهب المحتملة، لكن المشكلة بحسب نجوم سابقين تكمن في غياب منظومة مستدامة لاكتشاف اللاعبين وتطويرهم منذ الصغر.
الهند وكأس العالم.. فجوة تتسع
رفع زيادة المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخبًا من عدد المقاعد الآسيوية إلى ثمانية، إضافةً إلى فرصة تاسعة عبر الملحق العالمي وهو ما منح دول القارة مساحة أكبر للتأهل.
ويعتقد بايغونغ بوتيا، القائد السابق للمنتخب الهندي، أن مشاركة الهند في كأس العالم ليست مستحيلة لكنها تتطلب عملًا طويل الأمد، لافتًا إلى أن البلاد تمتلك قاعدة بشرية ضخمة، لكنها تفتقر إلى برامج جادة للفئات السنية ورؤية واضحة لتطوير المواهب.
وتكشف المنتخبات الآسيوية المتأهلة حجم التحدي؛ إذ تشارك أستراليا وإيران واليابان والأردن وكوريا الجنوبية وأوزبكستان وقطر والسعودية والعراق، بينما يسجل الأردن وأوزبكستان ظهورهما الأول.
لكن المنتخبين الجديدين يسبقان الهند بفارق كبير في تصنيف فيفا؛ إذ تحتل أوزبكستان المركز 52، والأردن المركز 63، بينما تراجعت الهند إلى المركز 136، بعد انخفاض مستواها خلال الأشهر الـ18 الماضية.
يرى شيام ثابا، الذي شارك في فوز الهند ببرونزية دورة الألعاب الآسيوية عام 1970، أن الطريق إلى كأس العالم يبدأ بجذب المزيد من الأطفال إلى كرة القدم، مؤكدًا أن زيادة عدد الممارسين ترفع فرص اكتشاف المواهب، لكنه ينتقد غياب نظام فعال ومستدام للبراعم داخل الاتحاد الهندي لكرة القدم.
كما تواجه اللعبة منافسة قوية من الكريكيت، إذ يفضل كثير من الآباء توجيه أبنائهم إلى معسكراتها، أملاً في الحصول مستقبلًا على عقود مالية كبيرة في الدوري الهندي الممتاز للكريكيت.
اتحاد الكرة وأزمة الدوري
عند انتخاب كليان شوبي رئيسًا للاتحاد الهندي عام 2022، أكد أنه لن يقدم وعودًا سريعة بشأن التأهل إلى كأس العالم، بل سيركز على تطوير الكرة الهندية من وضعها الحالي، لكن بعد قرابة أربع سنوات يواجه الاتحاد انتقادات متزايدة بسبب ضعف النتائج والأزمات الإدارية.
وكان الدوري الهندي الممتاز لكرة القدم قد انطلق عام 2014 وسط اهتمام إعلامي واسع، وجذب مستثمرين وشخصيات بارزة ولاعبين أجانب. إلا أن مستقبله أصبح غامضًا بعد تعثر الشراكات التجارية وتأخر الموسم الأخير، قبل إقامة نسخة مصغرة من دون شركاء تجاريين.
وأثرت الأزمة في مئات اللاعبين، بينما وجد الاتحاد نفسه مضطرًا إلى إعادة التخطيط للموسم المقبل من البداية.
رؤية طموحة ونتائج محدودة
أطلق الاتحاد «رؤية 2047»، التي تضمنت هدف جذب 35 مليون طفل إلى ممارسة كرة القدم، لكن الفجوة بين الخطط والنتائج ظلت واسعة.
وشهد عام 2023 تحسنًا مؤقتًا، بعدما دخل المنتخب قائمة أفضل 100 منتخب في تصنيف فيفا، مستفيدًا من فوزه ببطولة ودية وبطولة جنوب آسيا.
لكن هذا التقدم لم يستمر؛ إذ أخفق الفريق في الوصول إلى الدور الثالث من تصفيات كأس العالم 2026، ثم فشل في التأهل إلى كأس آسيا المقررة العام المقبل.
كأس آسيا قبل حلم المونديال
يرى القائد السابق سونيل تشيتري أن على الهند وكأس العالم السير عبر خطوات تدريجية وواقعية.
وبحسب تشيتري، يجب أن يكون الهدف الأول هو التأهل المنتظم إلى كأس آسيا التي تضم أفضل 24 منتخبًا في القارة، وعندما تتمكن الهند من تثبيت موقعها بين أفضل 15 أو 20 منتخبًا آسيويًّا، يمكنها التفكير جديًّا في المنافسة على بطاقة كأس العالم.
ويضغط الاتحاد الهندي لتغيير القواعد، بما يسمح للاعبين من أصول هندية المقيمين خارج البلاد بتمثيل المنتخب، حتى إذا كانوا يحملون جوازات سفر أجنبية.
وتشترط القواعد الحالية تنازل هؤلاء اللاعبين عن جنسياتهم الأجنبية، وهو ما فعله اللاعب المولود في أستراليا رايان ويليامز قبل تمثيل الهند.
وقد يمنح تغيير السياسة المنتخب خيارات إضافية؛ إذ يشارك في كأس العالم الحالية أربعة لاعبين من أصول هندية مع منتخبات قطر وأستراليا ونيوزيلندا والكونغو.
ومع ذلك، لن يكون استقطاب لاعبي الخارج بديلًا عن بناء منظومة محلية قوية. فطريق الهند وكأس العالم يمر أولًا عبر تطوير الناشئين، واستقرار الدوري، وتحسين الإدارة، والتأهل المنتظم إلى البطولات القارية.
وحتى يتحقق ذلك، سيواصل المشجعون الهنود متابعة المونديال من بعيد، وهم يتساءلون: إذا استطاعت دول صغيرة مثل كوراساو بلوغ كأس العالم، فلماذا لا تستطيع الهند؟












