وسط القصاصات الورقية البيضاء والزرقاء التي تتساقط على أرضية ملعب مونومنتال في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس يظهر دانيال باساريلا مرفوعًا فوق الأكتاف ممسكًا بكأس العالم، رافضا أن يشاركه أحد في الاحتفال الذي يحفر اسمه من ذهب في تاريخ كرة القدم.
لم يكن المشهد مجرد احتفال بفوز الأرجنتين على هولندا في نهائي مونديال 1978، بل كان لحظة ميلاد واحد من أكثر الأرقام رسوخًا في تاريخ البطولة؛ ففي عمر 25 عامًا و30 يومًا، أصبح باساريلا أصغر قائد يرفع كأس العالم.
دانيال باساريلا القلب النابض
لم يكن باساريلا أكبر لاعبي المنتخب الأرجنتيني سنًّا، ولا أطولهم قامةً، لكنه امتلك الحضور الذي جعل زملاءه ينظرون إليه بوصفه قائدًا طبيعيًّا.
كان صوته حاضرًا في الخط الخلفي وتحركاته حاسمة واندفاعه يعكس شخصية لاعب لا يتعامل مع المباريات باعتبارها مساحة للاستعراض، بل معركة يجب السيطرة عليها منذ الدقيقة الأولى.
كانت الأرجنتين تستضيف البطولة على أرضها، ولم يكن مسموحًا للمنتخب بأن يظهر كفريق عادي، بل على العكس كل مباراة كانت تحمل ضغطًا مضاعفًا وكل خطأ كان يهدد حلمًا انتظرته الجماهير لعقود.
وسط تلك الضغوط، تحول باساريلا إلى الامتداد الحقيقي للمدرب داخل الملعب ينظم الدفاع، ويوجه زملاءه، ويتقدم إلى وسط الميدان عند الحاجة، ولا يتردد في المشاركة هجوميًّا.
باساريلا بطلًا لكأس العالم
في 25 يونيو 1978، امتلأ ملعب مونومنتال بالجماهير، انطلقت صافرة البداية وتقدمت الأرجنتين بهدف ماريو كيمبس، وبدا أن الكأس تقترب من أصحاب الأرض، لكن ديك نانينغا أدرك التعادل لهولندا قبل نهاية الوقت الأصلي، لتمتد المباراة إلى شوطين إضافيين.
في تلك اللحظات، لم يكن باساريلا مطالبًا فقط بإيقاف الهجمات الهولندية، بل بمنع الخوف من التسلل إلى زملائه، الأرجنتين على بعد هدف واحد من ضياع حلمها، بينما بدا منافسها أكثر قدرةً على استغلال التوتر داخل الملعب.
لكن كيمبس أعاد التقدم للأرجنتين في الوقت الإضافي، قبل أن يسجل دانييل بيرتوني الهدف الثالث، لتنتهي المباراة بنتيجة 3-1.
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، لم يعد باساريلا مجرد قائد شاب؛ أصبح أول قائد أرجنتيني يرفع كأس العالم، وصاحب أصغر عمر لقائد يحقق الإنجاز في تاريخ البطولة.
الكأس التي لم يسمح لأحد بلمسها
بعد التتويج، ظهرت واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن شخصية باساريلا فقد تمسك بالكأس بصورة لافتة، ورفض أن يتركها تنتقل بسهولة بين زملائه.
وبعد سنوات، استعاد ماريو كيمبس المشهد بروح ساخرة، مشيرًا إلى أن باساريلا احتفظ بالكأس لنفسه ولم يسمح لأحد بالاقتراب منها حتى إن هداف البطولة وصاحب هدفي المباراة النهائية لم يتمكن من لمسها.
وقال كيمبس مازحًا: «حتى أنا لم أستطع لمسها ولو مرة واحدة».
ربط كيمبس بين تلك اللحظة والطريقة التي كان يلعب بها باساريلا؛ فهو المدافع المعروف بقوته واستخدام جسده ومرفقيه في المواجهات، وقد تعامل مع الكأس بالصرامة نفسها.
لم يكن عمر باساريلا وحده هو الرقم اللافت في مونديال 1978؛ فقد شكّل مع لويس غالفان أقصر ثنائي في مركز قلب الدفاع ينجح في الفوز بكأس العالم.
بلغ طول باساريلا 1.73 متر، بينما بلغ طول غالفان 1.74 متر، وهي أرقام تبدو بعيدة عن المواصفات التقليدية لقلبي الدفاع، خصوصًا في بطولة تعتمد منتخباتها الأوروبية على مهاجمين أقوياء بدنيًّا وفي الكرات الهوائية.
لكن الثنائي عوّض فارق الطول بالتمركز، والتوقيت، والقدرة على قراءة اتجاه الكرة قبل وصولها، لذلك لم يظهر طوله بوصفه نقطة ضعف، على العكس، أصبح حضوره في الهواء جزءًا من المفارقة التي صنعت شهرته؛ مدافع قصير نسبيًّا، لكنه يتفوق على لاعبين أطول منه، ويسجل بالرأس، ويبدو في المواجهات الهوائية أكبر من قامته الحقيقية.









