لم تعد الظواهر المناخية المتطرفة أحداثًا استثنائية كما كانت من قبل؛ موجات حر أشد، وحرائق أوسع، وفيضانات أكثر حدة، فيما يحذر العلماء من أن القادم قد يكون أكثر صعوبة.
في رواية "وزارة المستقبل" للكاتب الأمريكي كيم ستانلي روبنسون، تتسبب موجة حر شديدة وانهيار شبكة الكهرباء في الهند في مقتل 20 مليون شخص، كان السيناريو خياليًا، لكن علماء يرون اليوم أن بعض الكوارث التي بدت كذلك قد تصبح ممكنة.
ويحذر دانيال سوين، عالم المناخ في معهد كاليفورنيا لموارد المياه، من أن كثرة التحذيرات قد تجعل الناس يتعاملون مع الخطر باستخفاف، قائلًا: "أحيانًا يكون التحذير في محله"، وفقًا لـ"أسوشيتد برس".
قصة بدأت قبل أكثر من 150 عامًا
لفهم ما يحدث اليوم، تعود القصة إلى خمسينيات القرن التاسع عشر، عندما أجرت العالمة الأمريكية يونيس نيوتن فوت تجارب على تأثير ثاني أكسيد الكربون.
وضعت فوت مواد مختلفة، بينها ثاني أكسيد الكربون والهواء الرطب، داخل أسطوانات زجاجية وتركتها تحت أشعة الشمس، وأظهرت النتائج أن الأسطوانات التي تحتوي على ثاني أكسيد الكربون ارتفعت حرارتها بشكل أسرع، كما احتفظت بالحرارة مدة أطول.
بعد أكثر من قرن ونصف، أصبحت كميات ضخمة من غازات الاحتباس الحراري متراكمة في الغلاف الجوي، وفي 2025، بلغ ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض 1.44 درجة مئوية مقارنة ببداية القرن التاسع عشر، مع زيادة في تواتر وشدة عدد من الظواهر الجوية المتطرفة.
"الصيف الأسود"
لم تعد المؤشرات محصورة في سجلات درجات الحرارة، في أستراليا، التهمت حرائق 2019 و2020، المعروفة بـ"الصيف الأسود"، نحو 19 مليون هكتار، وفي 2022، غمرت الفيضانات نحو ثلث باكستان، بينما ضرب إعصارا ميلتون وهيلين أجزاء من جنوب الولايات المتحدة في 2024.
وتكررت المشاهد في مناطق أخرى، من فيضانات تكساس وحرائق لوس أنجلوس إلى إعصار كالماجي الذي ضرب فيتنام والفلبين، وترى سارة بيركنزكيركباتريك، عالمة المناخ في الجامعة الوطنية الأسترالية، أن الوصول إلى صافي انبعاثات صفري لن يعني توقف الظواهر المتطرفة فورًا.
فالضرر الذي تراكم بالفعل يحتاج وقتًا طويلًا حتى يتراجع، خصوصًا أن ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يبقى في الغلاف الجوي لمئات السنين.
هل العالم مستعد؟
هنا تبرز المشكلة الأكبر، لا يوجد بلد مستعد فعلًا لكارثة مناخية كبرى، وتشبه سونيا سينيفيراتني، عالمة المناخ السويسرية ونائبة رئيس فريق عمل تابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، الأمر بالتدخين وسرطان الرئة: ليس كل مدخن سيصاب بالمرض، لكن احتمالات الإصابة ترتفع.
وبالمثل، يزداد خطر الظواهر المناخية الشديدة مع كل عُشر درجة مئوية إضافية، وتقول سينيفيراتني: "إذا حدث مثل هذا الأمر، فأنا أتوقع بالفعل انتقادات من الناس الذين يقولون: علماء المناخ لم يخبرونا بذلك. لكننا فعلنا ذلك".
ورغم صعوبة التنبؤ بموعد وقوع كارثة مناخية كبرى، فإن تجربة كاليفورنيا تقدم مثالًا على ما يمكن فعله، في 2014، عملت عالمة الزلازل لوسي جونز، وكانت حينها في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، مع إدارة عمدة لوس أنجلوس إريك غارسيتي على مبادرة لتعزيز استعداد المدينة للزلازل.
وبعد عامين، أسست جونز منظمة غير ربحية تقدم استشارات بشأن الاستعداد للزلازل والكوارث الأخرى، الفكرة هنا بسيطة: الاستعداد يبدأ عندما يُنظر إلى الخطر باعتباره حقيقيًا، والحلول باعتبارها ممكنة.
من الشعاب المرجانية إلى الأمازون
بعض التغيرات لم تعد مجرد توقعات بعيدة، بين 2023 و2025، تعرض 84% من الشعاب المرجانية في العالم للإجهاد الحراري الذي أدى إلى طرد الطحالب المجهرية، وفق الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي.
وفي الأمازون، يثير استمرار الجفاف وحرائق الغابات وإزالة الأشجار مخاوف من وصول الغابات إلى نقطة تحول، قد تفقد بعدها قدرتها على تخزين كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.
وفي بريطانيا، قدم تقييم لمخاطر المناخ في يناير 2022 احتمالًا قدره 0.02% لتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية قبل عام 2040، لكن بعد أشهر فقط، تجاوزت الحرارة بالفعل حاجز الـ40 درجة في أجزاء من البلاد.
ولا يستطيع العلماء تحديد موعد كارثة مناخية كبرى، ولا المكان الذي قد تضربه بدقة، لكن ما يعرفونه هو أن ارتفاع الحرارة يزيد من احتمالات حدوثها، وأن بعض آثار تغير المناخ تظهر بوتيرة أسرع مما توقعت نماذج سابقة.
ويحذر تيم لينتون، أستاذ علوم المناخ في جامعة إكستر، من أن العالم يجب أن يستعد لأسوأ السيناريوهات، قائلًا إن "صدمات مناخية كبرى قد تكون قادمة لا محالة".














