تواجه فرنسا وإسبانيا واحدة من أصعب موجات حرائق الغابات في السنوات الأخيرة، بعدما دفعت النيران أكثر من 250 ألف شخص إلى مغادرة منازلهم، فيمّا غطت سحب الدخان مناطق واسعة من جنوب غرب أوروبا، وأجبرت الجهات المنظمة على تقليص المرحلة الأخيرة من سباق فرنسا للدراجات.
وامتدت الحرائق إلى مناطق في إيطاليا واسكتلندا، لكن التأثير الأكبر ظهر في فرنسا وإسبانيا، حيث تكافح فرق الإطفاء للسيطرة على بؤر مشتعلة في ظل ظروف جوية صعبة، بحسب شبكة "CNN" الأمريكية.
وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن عطلة نهاية هذا الأسبوع تمثل "فرصة سانحة" لمواجهة الحرائق، مشيرًا إلى أن تحسن الأحوال الجوية تدريجيًا قد يساعد فرق الإنقاذ في عمليات السيطرة على النيران.
وفي فرنسا، دفعت السلطات بطائرة عسكرية من طراز "A400M" للمرة الأولى إلى عمليات مكافحة الحرائق في جنوب غرب البلاد، في وقت أعلنت فيه القوات المسلحة الفرنسية نشر 1500 فرد عسكري للمساعدة في جهود الإطفاء والإجلاء، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية "BBC".
لماذا انتشرت الحرائق بهذه السرعة؟
لم تأتِ موجة الحرائق الحالية بشكل مفاجئ، إذ اجتمعت عدة عوامل ساعدت على انتشارها، فقد أدت درجات الحرارة المرتفعة خلال الصيف إلى جفاف الغطاء النباتي، وتحولت مساحات واسعة إلى مناطق قابلة للاشتعال بسرعة.
كما ساهم الشتاء الأوروبي الممطر في نمو مزيد من الأعشاب والشجيرات والنباتات، ما وفر كميات أكبر من المواد القابلة للاحتراق، قبل أن تتسبب موجات الحر وانخفاض الأمطار في جفافها.
ووفقًا لبيانات النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات "EFFIS"، تجاوزت المساحات التي احترقت هذا العام المتوسط السنوي للفترة نفسها، رغم أن المساحات المحترقة حتى 22 يوليو بقيت أقل قليلًا من الفترة نفسها من العام الماضي، الذي كان الأسوأ على الإطلاق.
وفي فرنسا، يبدو الوضع أكثر حدة، إذ سجلت البلاد أكثر من 300 حريق غابات منذ بداية العام، مقارنة بمتوسط سنوي يبلغ 93 حريقًا، وفقًا للهيئة الأوروبية لأبحاث الحرائق والغابات "EFFIS".
وتشير البيانات إلى أن أزمة تغير المناخ تلعب دورًا في زيادة شدة مواسم الحرائق، مع ارتفاع درجات الحرارة وجفاف التربة واستنزاف المياه من الأنهار والبحيرات، بحسب الشبكة الأمريكية.
وفي فرنسا، وصلت رطوبة التربة إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق لهذا الوقت المبكر من الصيف، واقتربت من أقل المستويات المسجلة، وفقًا لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية "Météo France".
شتاء ممطر.. وجفاف سريع
يرجح أن يكون الشتاء الأوروبي الرطب بشكل غير معتاد أحد العوامل التي ساهمت في زيادة خطر الحرائق، بعدما شهدت القارة أمطارًا طويلة وعواصف متكررة خلال شهري يناير وفبراير.
وساعدت الرطوبة المرتفعة على نمو الأعشاب والنباتات، قبل أن ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في أوروبا الغربية خلال مايو، بالتزامن مع انخفاض حاد في هطول الأمطار في فرنسا وإسبانيا.
وأدى توقف الأمطار مع ارتفاع درجات الحرارة إلى جفاف التربة بسرعة غير مسبوقة، في ظاهرة تعرف أحيانًا باسم "الجفاف المفاجئ"، بحسب الشبكة الأمريكية.
وتشير أبحاث إلى أن الاحتباس الحراري الناتج عن تلوث المناخ زاد من وتيرة وشدة حالات الجفاف المفاجئ في أوروبا، إذ يمتص الغلاف الجوي الأكثر حرارة رطوبة التربة بسرعة أكبر، ما يزيد من خطر اندلاع الحرائق.
أكبر إجلاء.. مئات الآلاف خارج منازلهم
دفعت الحرائق السلطات في فرنسا وإسبانيا إلى تنفيذ عمليات إجلاء واسعة، حيث غادر أكثر من 250 ألف شخص منازلهم، وفي فرنسا، تم إجلاء أكثر من 167 ألف شخص في منطقة غيروند، بينما طُلب من 31 ألف شخص آخرين مغادرة منازلهم في منطقة لاند المجاورة.
وفي بوردو، ظهر النازحون وهم يحملون أمتعتهم ويبحثون عن أماكن آمنة، فيما روى زوجان بريطانيان كانا يقضيان عطلتهما في المنطقة كيف غطى الرماد حوض السباحة في مكان إقامتهما وتسبب في تحول أقدامهما إلى اللون الأسود، وفي إسبانيا، طُلب من نحو 90 ألف شخص مغادرة منازلهم أو البقاء داخلها، مع استمرار انتشار الحرائق في عدد من المناطق.
سباق مع الزمن لإخماد النيران
وتواصل فرق الإطفاء جهودها للسيطرة على الحرائق، فيما وصف مسؤول فرنسي محلي الوضع، قائلًا: "ما زلنا بعيدين كل البعد عن السيطرة على الحريق".
وفي فرنسا، قالت وزارة الداخلية إن طائرة "A400M" قادرة على إسقاط 20 طنًا من مثبطات اللهب أو المياه، ويمكنها الوصول إلى المناطق المعرضة للخطر، مشيرةً إلى أن استخدامها يأتي ضمن خطة تجريبية لتعزيز قدرات مكافحة حرائق الغابات، بحسب "BBC".
كما أعلنت القوات المسلحة الفرنسية وضع خطة "غير مسبوقة" لنشر الموارد، تشمل مساعدة السكان على الإخلاء وحماية المنازل، إلى جانب توفير الطعام والمياه ووسائل النقل للنازحين، ودعم عمليات الإطفاء بطائرات الهليكوبتر وقوات مكافحة الحرائق التابعة للقوات الجوية.
وتستمر جهود السيطرة على الحرائق في وقت تحذر فيه السلطات من صعوبة الساعات المقبلة، مع بقاء الظروف الجوية عاملًا حاسمًا في مسار الأزمة.












