شهدت أوروبا موجة حر غير مسبوقة واصلت زحفها شرقًا، محطمةً سجلات درجات الحرارة في عدد من الدول، بينما ارتبطت بعشرات الوفيات وأثرت على البنية التحتية والنقل والطاقة، في وقت يُتوقع أن تبدأ حدتها في التراجع مع نهاية الأسبوع.
وفي برلين وميلانو وكوبنهاجن، أفادت "رويترز" بأن موجة الحر امتدت من الدول الاسكندنافية حتى جبال الألب، مع تجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية في بعض المناطق.
وقال علماء إن موجة الحر الحالية كانت ستكون "شبه مستحيلة" لولا تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري، مشيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة ليلًا أصبح أكثر احتمالًا بنحو 100 مرة مقارنة بما كان عليه قبل عقدين، وقالت كاترين غورينغ-إيكاردت، النائبة الاتحادية الألمانية والزعيمة البرلمانية السابقة لحزب الخضر: "هذه الحرارة ليست طقسًا صيفيًا لطيفًا، إنها أزمة صحية".
درجات حر غير مسبوقة تمدد التخفيضات الصيفية
ومن جهتها، أعلنت الحكومة الفرنسية تمديد موسم التخفيضات الصيفية هذا العام بعد بداية وصفتها بالبطيئة نتيجة موجة الحر، كما ارتبطت موجة الحر بعشرات الوفيات بين كبار السن والشباب في فرنسا، وتسببت درجات الحرارة التي تجاوزت 40 درجة مئوية في تعطيل حركة السكك الحديدية وإنتاج الطاقة، وتعليق الدراسة، وتأجيل فعاليات خارجية.
وفي برلين، حيث بلغت الحرارة 39 درجة مئوية، لجأت الشرطة إلى رش المارة بالمياه عبر خراطيم في محاولة لتخفيف آثار الحر، وسجلت هيئة الأرصاد الجوية الألمانية قراءة أولية بلغت 41.5 درجة مئوية في موكرن-دريويتز بولاية ساكسونيا-أنهالت، متجاوزة الرقم القياسي المسجل قبل يوم واحد والبالغ 41.3 درجة مئوية قرب ساربروكن على الحدود الفرنسية.
وفي المجر، أدى ارتفاع حرارة مياه نهر الدانوب إلى خفض الإنتاج في أحد مفاعلات محطة باكس للطاقة النووية، بينما أوقفت محطة بيزناو النووية في سويسرا مفاعلاتها مؤقتًا بسبب ارتفاع حرارة مياه نهر آري، بحسب "رويترز".
وفي مدينة بولزانو بجنوب تيرول، لم تنخفض الحرارة ليلًا عن 25.4 درجة مئوية، وهو أعلى مستوى يسجل في يونيو، بحسب خبير الأرصاد الجوية ديتر بيترلين، ما أثار مخاوف علماء البيئة بشأن الأنهار الجليدية الأوروبية.
موجة الحر تضرب السكك الحديدية وتهدد البنية التحتية
وسمحت شركة "دويتشه" بان للمسافرين بإلغاء رحلات المسافات الطويلة حتى مطلع الأسبوع المقبل، بينما علقت شركة "ناشيونال إكسبريس" بعض الرحلات في شمال الراين-وستفاليا كإجراء احترازي، وقرب هامبورغ، أُغلق جزء من أحد أكثر الطرق السريعة ازدحامًا في ألمانيا بعد تشقق الأسفلت بفعل الحرارة.
كما قررت بطولة الرجل الحديدي الأوروبي لترياتلون المسافات الطويلة، المقررة الأحد في فرانكفورت، تقصير مساري الدراجات والجري بسبب الظروف الجوية.
وامتدت آثار موجة الحر إلى أنحاء مختلفة من أوروبا، حيث أُغلقت معالم ثقافية، وتضررت الزراعة، وواجهت بعض المستشفيات صعوبة في التعامل مع زيادة الحالات، وأشار مرصد "رويترز" للمناخ إلى أن موجة الحر الحالية نتجت عن ظاهرة تعرف باسم "أوميغا بلوك"، وهي نمط جوي يحبس كتلة كبيرة من الهواء الساخن فوق منطقة معينة لفترة طويلة، بينما يحيط بها هواء أبرد على الأطراف.
أساور ذكية لحماية كبار السن من موجة الحر
وفي إيطاليا، أصدرت وزارة الصحة تحذيرًا أحمر يشمل 18 مدينة، بينها ميلانو وروما وتورينو والبندقية وجنوة وفلورنسا وبولونيا، خلال يومي السبت والأحد، فيما انخفض منسوب نهر بو بشكل كبير مع تقدم مياه البحر داخل مجراه، مهددًا الزراعة والنظام البيئي لأهم ممر مائي في البلاد.
بينما اعتمدت بلدية روما مشروعًا يستخدم أساور إلكترونية لمراقبة كبار السن عن بُعد والتدخل السريع عند الحاجة. ويأتي المشروع، الذي يستفيد منه حاليًا نحو 700 شخص، ضمن خطة دعم بقيمة 400 مليون يورو أي ما يعادل 456 مليون دولار، أطلقتها البلدية العام الماضي بتمويل من الاتحاد الأوروبي بعد جائحة كوفيد-19.
ويراقب السوار معدل ضربات القلب وأنماط النوم ويرصد حالات السقوط، كما يتيح طلب المساعدة في الطوارئ، وقالت عالمة النفس السريري بييرا بومنتي: "إن كبار السن يعانون في الطقس الحار، لذا السوار هام جدًا".
ورغم أن الخدمة مجانية، فإن بعض كبار السن أبدوا مخاوف تتعلق بالخصوصية، وأوضحت بومنتي أن نحو 70 شخصًا انضموا في البداية عبر إحدى الصيدليات، لكن العدد انخفض إلى نحو 45، مؤكدة: "وكأننا نتجسس داخل منازلهم بالكاميرات".
ويعمل فريق الدعم من الاثنين إلى الجمعة بين الساعة 8:30 صباحًا و7:00 مساءً، بينما تُرسل التنبيهات ليلًا وفي عطلات نهاية الأسبوع إلى أقارب المشتركين.
وخلال العام الماضي تعامل الفريق مع حالتي طوارئ، فيما يواصل الأخصائيون الاجتماعيون إجراء اتصالات يومية للاطمئنان على المشتركين ومساعدتهم في مواجهة الحر والشعور بالوحدة، وقالت بومنتي: "الأمر يتعلق بمساعدتهم على مشاركة يومهم ومشاعرهم ودرجات الحرارة المفرطة".














