بدأت رحلة عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من قمة قادة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة، خلال يوليو، بسلسلة من التفاصيل غير المعتادة، لكن أحدًا من الصحفيين المرافقين له لم يكن يعرف في ذلك الوقت أن وراءها عملية أمنية دقيقة.
في الساعات الأخيرة من القمة، أعلن ترامب عبر موقع "تروث سوشيال" أنه لن يعود إلى الولايات المتحدة على متن الطائرة الرئاسية الجديدة التي أقلته إلى تركيا، بحسب وكالة أنباء "رويترز".
وقال ترامب إنه أرسل الطائرة مسبقًا إلى قاعدة ميلدنهال الجوية في إنجلترا، حتى يتمكن أفراد الخدمة من زيارتها، بينما سيسافر هو إلى القاعدة على متن طائرة رئاسية قديمة.
كان التغيير مفاجئًا للصحفيين المرافقين للرئيس، ولم يكن تفسيره واضحًا، وبدأت التساؤلات: هل هناك تهديد أمني؟ وهل لإيران علاقة بالأمر؟
نوافذ مغلقة.. أول علامة غير عادية!
في 8 يوليو، وخلال اليوم الأخير من القمة، التقى ترامب عددًا من قادة العالم، بينهم الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، كما تحدث مرارًا عن محاولات إيران الطويلة الأمد لاغتياله.
وبعد مؤتمر صحفي عقده قبيل مغادرة تركيا، ازدادت شكوك الصحفيين بشأن ما يجري، خصوصًا مع تجنب ترامب إلى حد كبير الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بتغيير الطائرات.
ثم ظهرت علامة أخرى، عندما صعد الصحفيون إلى الطائرة التي اعتقدوا أن ترامب سيستقلها، طلب منهم موظفو البيت الأبيض إغلاق ستائر النوافذ.
وعندما طالب الصحفيون بتفسير، قيل لهم إن التعليمات جاءت بناءً على طلب من جهاز الخدمة السرية، كان الطلب غير معتاد بالنسبة لأحد الصحفيين الذين سبق لهم السفر على متن الطائرة الرئاسية، وبدأت التكهنات: هل يتعلق الأمر بتكنولوجيا دفاعية سرية؟ أم بتهديد أمني محتمل؟، لم تكن الإجابة ستظهر إلا بعد أسابيع.
ترامب لم يكن على متن الطائرة
انطلقت الطائرة من أنقرة باتجاه ميلدنهال، بينما ظل الصحفيون يعتقدون أن ترامب قد يظهر في أي لحظة، لكن الرئيس لم يكن معهم.
لاحقًا، تبين أن البيت الأبيض كان ينفذ عملية تمويه؛ إذ غادر ترامب الطائرة في أنقرة سرًا عبر شاحنة تموين، قبل أن يستقل طائرة حكومية أخرى، وذلك بسبب مخاوف أمنية، بحسب صحيفة "المونتور" الأمريكية.
أما الصحفيون، فواصلوا الرحلة على متن الطائرة الرئاسية القديمة، من دون أن يعرفوا أن الرئيس ليس على متنها، وبحسب رواية أحد الصحفيين الذين كانوا على متن الطائرة، كانت الرحلة هادئة، لكن الغموض المحيط بها جعل من الصعب الاسترخاء.
لحظة الوصول إلى بريطانيا
عند الهبوط في إنجلترا في وقت متأخر من المساء، حدث أمر آخر غير متوقع، وفي أثناء مغادرة الصحفيين للطائرة، ظهر ترامب وهو ينزل من قسم آخر منها، في جزء من الخدعة لم يتضح معناه في ذلك الوقت.
ثم طلب موظفو البيت الأبيض من الصحفيين السير خلف الرئيس باتجاه طائرة الرئاسة، وكانت متوقفة على بعد مئات الأمتار، وكان عناصر جهاز الخدمة السرية يحيطون بترامب، بينما تحركت إلى جواره سيارة دفع رباعي حكومية سوداء، بدت المناورة للصحفيين غريبة، خصوصًا أنها لم تكن مألوفة في تغطية تحركات الرئيس الأمريكي.
وبعد صعود الركاب إلى الطائرة الجديدة وإقلاعها، قدم أحد مساعدي البيت الأبيض للصحفيين نسخة مطبوعة من منشور لترامب على "تروث سوشيال"، مرفقة بصورة لأفراد الخدمة وعائلاتهم أمام الطائرة.
وقال ترامب إن القاعدة "الكاملة" طلبت رؤية الطائرة، وإن التوقف في ميلدنهال لم يتطلب "انحرافًا يُذكر" عن المسار المعتاد بين أنقرة وواشنطن.
لماذا أُغلقت مقصورة الصحافة؟
بعد ذلك، توجه ترامب إلى مقصورة الصحافة، وواجه أسئلة بشأن سبب عدم استخدامه الطائرة الرئاسية للسفر إلى إنجلترا، لكن الصورة الكاملة لم تتضح إلا بعد شهر آخر، عندها تبين أن ترامب لم يسافر مع الصحفيين إلى ميلدنهال، وأن طائرة ثالثة كانت جزءًا من العملية، بحسب "رويترز".
وخلال الرحلة، نفى ترامب أن تكون المخاوف الأمنية سببًا في تغيير الطائرات، لكنه، عندما سُئل عن سبب إغلاق ستائر النوافذ، أقر بالتهديدات المستمرة التي يواجهها من إيران، وقال للصحفيين: "لكن إذا رحلتُ، سترحلون أنتم أيضًا"، مضيفًا "ربما ترغبون يومًا ما في تغيير مهنتكم".













