على مدى عقود، طُرح بين العلماء احتمال أن الماء ليس سائلًا واحدًا كما يبدو، بل قد يتكون من حالتين مختلفتين. دراسة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي تعيد إحياء هذا الطرح على المستوى الجزيئي، بعد أن قدمت أدلة تدعمه.
لسنوات، ساد الاعتقاد بأن الماء يتصرف مجهريًا كحالتين: إحداهما عالية الكثافة وأخرى منخفضة الكثافة، تتبادلان المواقع باستمرار، لكن إثبات ذلك تجريبيًا ظل معقدًا للغاية، وفقًا لموقع "Live Science".
يقول شياو تشنغ زينغ، عالم الكيمياء الفيزيائية في جامعة مدينة هونغ كونغ وأحد المشاركين في الدراسة، وهو يحمل زجاجة ماء: "من الصعب تخيل - هنا هو مجرد ماء واحد، أليس كذلك؟"، مضيفًا أنه بعد مراجعة الأدبيات العلمية وجد "فرضية الدولتين"، لكنه لم يجد دليلًا حاسمًا: "هذا جذب انتباهي.. ولكن لا يوجد دليل".
الدراسة المنشورة في 4 يونيو في مجلة "Nature Physics" لا تدعم الفرضية فحسب، بل قد تساعد أيضًا في تفسير سلوكيات غير معتادة للماء، مثل تمدده بعد 4 درجات مئوية بدلًا من زيادة كثافته، وطفو الجليد، إضافةً إلى خصائصه غير التقليدية في مقاومة تغير الحرارة واللزوجة، وقد فُسرت هذه الظواهر على أنها قد تكون مترابطة.
رحلة علمية بدأت منذ التسعينات
بدأ اهتمام زنغ بالماء في أواخر التسعينيات خلال عمله بعد الدكتوراه، واطلع لاحقًا على فرضية الدولتين عام 2006، لكنه اعتبرها حينها صعبة التطبيق.
في عام 2016 تقريبًا ظهرت أدلة تشير إلى أن الماء فائق التبريد قد ينقسم إلى شكلين: عالي الكثافة ومنخفض الكثافة، قبل نحو عامين ونصف، أوكل زنغ المهمة إلى ليوين لي، الباحث في مختبره، الذي اقترح استخدام "التعلم العميق غير الخاضع للإشراف" لاكتشاف الأنماط دون توجيه مسبق.
يقول زنغ: "لذلك يضطر الذكاء الاصطناعي إلى التعلم لاستخدام معرفته للإبداع والاستكشاف"، اعتمد الفريق على محاكاة ديناميكيات جزيئية واسعة باستخدام حزمة GROMACS، تتبعت مئات الآلاف من جزيئات الماء وأسفرت عن عشرات الملايين من البيانات.
ويضيف زنغ: "في الطريقة التقليدية استغرق الأمر عقد كامل ومزيد من الطلاب، بينما مع أجهزة الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، استغرق الأمر ربما عامًا ونصف العام"، ومن هذه البيانات، استخرج الذكاء الاصطناعي "إحداثيات رد الفعل"، التي تصف انتقال البنية بين حالتي الكثافة، وحدد مسارات التحول وحواجز الطاقة بينهما.
مساران لجزيئات الماء.. كيف يتحرك؟
أظهرت النتائج أن التحول بين الحالتين يختلف حسب الظروف، ففي معظم الحالات تسلك الجزيئات ما سماه الباحثون "شبه الحلقة"، مع حاجز طاقة واحد، لكن قرب الحدود الفاصلة بين الكثافتين، وهي المنطقة التي تشبه توازن الجليد والماء عند 32 درجة فهرنهايت (صفر درجة مئوية)، يمكن أن تسلك الجزيئات "الحلقة الكاملة" بثلاثة حواجز طاقة بدلًا من واحد.
ويشبّه زنغ ذلك بتسلق جبل له منحدر من جهة وجرف من جهة أخرى، حيث يسلك المتسلقون الطريق الأسهل عادة، بينما يضطرون للدوران حول القمة عند منطقة الالتقاء.
ويعمل الفريق على تطوير نموذج أدق للتعلم الآلي للتحقق من النتائج وربطها بالكثافة واللزوجة ودرجة الحرارة، لكن تأكيد هذه الفرضية على الماء الحقيقي لا يزال يتطلب تقنيات تجريبية أكثر دقة، على غرار ما طوّره مختبر شمال غرب المحيط الهادئ، الذي رصد سابقًا دلائل غير مباشرة على هذا السلوك.
ويقول زنغ: "بمجرد أن نتأكد من هذا التجربة، يمكن استخدام هذا النموذج لفهم كيفية تفاعل المياه مع الطبيعة"، وفي حال تأكدت النتائج، قد ينعكس ذلك على فهم أعمق لتفاعلات الماء مع الأملاح والبروتينات والأدوية، وهي عمليات أساسية في البيولوجيا والحقن الدوائي، رغم أن التطبيقات العملية لا تزال بعيدة نسبيًا.














