عندما نراقب سربًا من الطيور يحلق في السماء أو تجمعًا للبكتيريا أو حتى حشدًا من الناس يسير في الشارع، سترى حركة جماعية متناغمة بشكل مذهل، لكن خلف هذا الجمال يكمن لغز فيزيائي محيّر.
تمرد الطبيعة
فهذه المجموعات تتحرك بقواعد تبدو وكأنها تكسر أحد أهم قوانين الفيزياء، وهو قانون نيوتن الثالث "لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه".
فالطيور مثلاً ترى كل ما حولها، لكنها عندما تطير داخل السرب، تضبط حركتها بناءً على الطيور التي أمامها أو بجانبها فقط وتتجاهل تمامًا الطيور التي تطير خلفها، ما يعني أن التأثير يسير في اتجاه واحد ولا يوجد أي رد فعل عكسي من الخلف إلى الأمام.
هذا السلوك جعل الفيزيائيين يطلقون على هذه الظاهرة اسم "التفاعلات غير المتبادلة".
وفي حياتنا اليومية، قانون نيوتن الثالث يحيط بنا في كل مكان؛ فعندما نركض، تدفع أقدامنا الأرض للخلف، فتدفعنا الأرض للأمام، وعندما ينطلق الهواء من البالون للخلف، يندفع البالون للأمام.
هذا القانون هو أساس ميكانيكا الفيزياء منذ أكثر من 300 عام، وكما يقول البروفيسور "مارين بوكوف": "كل ما نعلمه للطلاب في الجامعات يعتمد في النهاية على مبدأ الفعل ورد الفعل".
إلا أن أسراب الطيور والبكتيريا وخلايا الأنسجة الحية لا تحترم هذا القانون، لأنها تتأثر بجزء من بيئتها فقط وليس بكل ما يحيط بها.
وبسبب هذا الاختلاف، عجزت النظريات الفيزيائية القديمة عن فهم هذه الأنظمة أو تصميم برامج محاكاة دقيقة لها على الكمبيوتر، رُغم أن هذه المحاكاة ضرورية جدًا لعلماء الأحياء لدراسة كل شيء، بدءًا من حركة الخلايا داخل جسم الإنسان إلى حركة الأسراب الكبيرة.
الشريك الوهمي
وأمام هذه المعضلة العلمية، نجح فريق بحثي بقيادة الفيزيائي "رودريش ميسنر"، في مدينة "درسدن الألمانية"، في ابتكار حل عبقري لهذه المشكلة القديمة، يعتمد على خدعة رياضية ذكية تقوم على توسيع القانون التقليدي.
فحين يترجم الفيزيائيون حركة الطبيعة إلى معادلات تشمل سرعة الطائر وموقعه، قام هذا الفريق بابتكار شريك وهمي وافتراضي في حساباتهم لكل عنصر حقيقي في النظام، بحيث يتم وضع "طائر وهمي" أمام كل طائر حقيقي يطير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
وهو ما حوّل النظام في الحسابات والكمبيوتر من نظام يسير في اتجاه واحد إلى نظام متبادل يتبع مبدأ الفعل ورد الفعل، ما أتاح للعلماء أخيرًا وصف هذه الأنظمة الحية ومحاكاتها بمنتهى الدقة وبأدوات الفيزياء التقليدية الراسخة.
إن استخدام العناصر الوهمية المساعدة ليس جديدًا تمامًا في الفيزياء، لكن الجديد هو استخدامه لتبسيط فهم الكائنات التي لا تطبق قانون الفعل ورد الفعل.
والسؤال المثير الذي يطرحه البروفيسور "ميسنر" الآن هو: هل يمكن لهذه الاستثناءات في قوانين نيوتن أن تقودنا إلى أشكال جديدة كليًا وغير مكتشفة من السلوك الفيزيائي الجماعي؟













