تؤكد السجلات المناخية الممتدة عبر العقود أن التغيرات الجوية الاستثنائية ليست وليدة العصر الحديث، بل هي امتداد لتقلبات تاريخية عنيفة غيرت مصائر أمم بأكملها، وتهدّد بالمزيد في ظل حدوث دورة جديدة من ظاهرة النينيو بين 2026 و2027.
وتوضح الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن تفاوت شدة هذه الدورات يجعل من الصعب بمكان التنبؤ بآثارها المستقبلية بناءً على نماذج سابقة، إذ لا توجد دورتان متطابقتان تمامًا في التاريخ المسجل.
وحيثما يرتد البصر إلى العقود الماضية لتتبع ملامح الطقس، تبرز ظاهرة النينيو كمتهم رئيسي وراء سلسلة من الكوارث الطبيعية والمجاعات التي اجتاحت مجتمعات متباعدة جغرافيًا، تاركة خلفها بصمات ديموغرافية واقتصادية بالغة العمق لا يمكن محوها من الذاكرة الإنسانية.
سجل دورات ظاهرة النينو منذ الخمسينيات
تتبع العلماء والباحثون البيانات التاريخية الممتدة منذ عام 1950 في قواعد بيانات المركز الوطني للمعلومات البيئية التابع لإدارة المحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA)، فتمكنوا من رصد وتحديد 11 دورة رئيسية متشابهة في قوتها القياسية خلال أشهر الشتاء.
وتمثلت هذه الفترات في دورات أعوام: 1957-58، و1963-64، و1965-66، و1972-73، و1982-83، و1986-87، و1991-92، و1997-98، و2002-03، و2009-10، وصولًا إلى دورتي 2015-16 و2023-24.
وارتبطت هذه الأعوام تاريخيًا بنمطين متناقضين تمامًا من الطقس المتطرف والمدمر، حيث عانت أجزاء واسعة من الكوكب من قحط مميت في الوقت الذي غرقت فيه مدن أخرى تحت سيول جارفة وفيضانات عاتية.
وتبين السجلات العلمية أن دورات معينة نجحت في تسجيل اسمها كأحداث استثنائية وفائقة القوة، نظرًا لعمق الدمار الذي خلفته وراءها على المستويين البشري والبيئي.
الفاجعة الإنسانية الكبرى في تاريخ ظاهرة النينيو
تنطلق الشرارة الأولى للتوثيق المرعب من عام 1877، وهو العام الذي شهد ذروة دورة تاريخية فائقة القوة لظاهرة النينيو، على الرغم من أنها حدثت في عصر قديم لم يكن مجهزًا بتقنيات القياس عبر الأقمار الصناعية الحديثة.
وتشير البحوث المناخية المقارنة والتحليلات التاريخية المقترنة الصادرة عن علماء الأرصاد بالمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) أن هذا الحدث التاريخي غير العادي تسبب في جفاف ممتد وقاسٍ للغاية ضرب مساحات شاسعة من القارة الآسيوية ودولة البرازيل والقارة الأفريقية.
وتسبب هذا القحط الشديد والحرارة غير المسبوقة في فشل المحاصيل الزراعية وإتلاف سلال الغذاء على نطاق عالمي واسع، مما أدى في نهاية المطاف إلى حدوث مجاعة عالمية تاريخية مروعة أودت بحياة أكثر من 50 مليون إنسان.
وتكرر المشهد المأساوي ولكن في العصر الحديث مع مطلع الثمانينيات، حيث سجلت الأرصاد دورة 1982-1983 الفائقة القوة التي ضربت الكوكب بعنف شديد.
وأسفرت تلك الدورة المناخية الصعبة عن فيضانات عاتية ومدمرة في سواحل البيرو والإكوادور، بينما ضرب جفاف استثنائي وقاحل أراضي أستراليا وإندونيسيا متسببًا في حرائق غابات واسعة وخسائر اقتصادية فادحة.
ولم يكد العالم يتعافى حتى سجلت سبعينيات وتسعينيات القرن العشرين دورات قوية أخرى، لعل أبرزها دورة 1997-1998 التي صنفها العلماء بـ "دورة القرن الكبرى"، حيث بلغت درجات حرارة سطح البحر مستويات قياسية غير مسبوقة تسببت في وفيات بشرية وخسائر بيئية شاسعة النطاق حول العالم.
من حدث "غودزيلا" إلى فيضانات البرازيل الكارثية
تجدد غضب الطبيعة في القرن الحادي والعشرين مع حلول عام 2015، حيث رصدت المراكز الدولية ما عُرف رسميًا بدورة "غودزيلا" التي حطمت معايير القوة لظاهرة النينيو عبر التاريخ الحديث.
وأكدت تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بالتعاون مع إدارة الغلاف الجوي الأمريكية أن تلك الدورة الاستثنائية الفائقة تسببت في أسوأ موجة جفاف ضربت منطقة جنوب أفريقيا منذ أكثر من 35 عامًا، مما أدى إلى خفض إنتاج الذرة الإقليمي بنحو الربع وتفشي سوء التغذية.
وشهدت هذه الدورة تنشيطًا غير مسبوق للأعاصير العنيفة في المحيط الهادئ، حيث رصد العلماء للمرة الأولى في التاريخ تشكل 3 أعاصير مدمرة من الفئة الرابعة الساحقة تتشكل بالتزامن في المحيط الهادئ مهددة الملاحة والحياة البرية.
ولم تكن الدورة الأخيرة لعامي 2023-2024 أقل وطأة من سابقاتها، إذ صُنفت بناءً على بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبقيادة الأمينة العامة البروفيسورة سيليستي ساولو كواحدة من أقوى خمس دورات في التاريخ المسجل لظاهرة النينيو.
وتظافرت هذه الدورة الفيزيائية مع التغير المناخي البشري والاحتباس الحراري المتسارع لتلعب دورًا رئيسيًا في تسجيل عام 2024 كأشد الأعوام سخونة وحرارة في السجلات البشرية على الإطلاق.
وتسببت التقلبات الجوية العنيفة المصاحبة لها في حدوث فيضانات كارثية ومروعة اجتاحت ولايات ومناطق جنوب دولة البرازيل بشكل غير مسبوق.
ووفقاً للأرقام والإحصاءات الصادرة عن البروفيسور فرانسيسكو أكوينو، مدير مركز المناخ بجامعة ريو غراندي دو سول الفيدرالية في البرازيل، أسفرت تلك الفيضانات القاتلة المرتبطة بظاهرة النينيو عن مقتل أكثر من 180 شخصًا.
وتسببت السيول الجارفة في تدمير كامل للبنية التحتية وتشريد نحو 2.3 مليون مواطن من منازلهم، فضلًا عن هدم 2400 منزل بالكامل وتحويل قرى بأكملها إلى ركام.














