نجح فريق من الباحثين في تطوير نظام طبي مبتكر يعتمد على تسجيل مقاطع فيديو قصيرة للعين لتقدير مستويات خلايا الدم الحمراء لدى الإنسان، مما يمهد الطريق لآلية فحص خالية تمامًا من الإبر.
وأظهرت هذه التقنية كفاءة واعدة بعدما تمكنت من تحديد الإصابة بفقر الدم (الأنيميا) بدقة تجاوزت 80% خلال تجارب سريرية خضعت لها هذه المنظومة على عينة مؤلفة من 224 شخصًا، والتي ضمت مرضى سرطان يعانون من اضطرابات دموية إلى جانب متطوعين أصحاء، وعند مقارنة توقعات نموذج الذكاء الاصطناعي بالتحاليل المخبرية التقليدية، حقق النموذج نجاحًا في رصد انخفاض الهيموجلوبين بنسبة تصل إلى 83%.
ورغم أن الباحثين يؤكدون أن هذه الآلية لم تصل بعد إلى مرحلة تؤهلها لتكون بديلاً كاملاً للاختبارات القياسية لسحب الدم، إلا أنهم يرون فيها أداة فحص أولية بالغة الأهمية لتحديد الحالات التي تستدعي إجراء تحليل دم كامل، لاسيما في البلدان منخفضة الدخل والمناطق النائية التي تفتقر إلى المختبرات الطبية المجهزة.
وحول الأثر الطبي المتوقع، أفادت الدكتورة كريستين كيري، استشارية طب العيون بمستشفى أكسفورد ، بأن القيمة الحقيقية لهذا النظام تكمن في إمكانية إجراء مراقبة دورية متكررة وغير جراحية للمرضى، فضلاً عن دورها في الاكتشاف المبكر للحالات الحرجة؛ مؤكدة أن التحقق من دقتها وتوفيرها بأسعار معقولة سيجعل مراقبة الدم متاحة بشكل واسع في البيئات شحيحة الموارد.
كما يرى خبراء أن هذه الطريقة ستقدم حلولاً عملية في المواقع التي يمثل فيها سحب الدم المتكرر عبئًا ثقيلاً مثل الفحوصات في العيادات الخارجية والمراقبة المنزلية ومتابعة مرضى غسيل الكلى وعلاجات الأورام، بالإضافة إلى تطبيقات طب الأطفال.
آلية العمل
وتعتمد آلية الفحص الجديدة على استخدام كاميرا مجهرية تقوم بتكبير يصل إلى 50 مرة لتسجيل مقطع فيديو مدته 10 ثوانٍ لبياض عين المريض.
ويتولى برنامج مخصص يحمل اسم "Video-to-Vessels" تنقية هذه اللقطات من الشوائب عبر إزالة تأثير حركات العين والرمش وتذبذب الإضاءة، ليحولها إلى مقاطع متتابعة زمنيًأ ترصد الأوعية الدموية بدقة، وبعد ذلك، يتدخل نموذج ذكاء اصطناعي متطور يُدعى "VesselNet" — جرى تدريبه مسبقًا على صور أوعية دموية مطابقة لنتائج مخبرية حقيقية — ليتنبأ بمستويات الهيموجلوبين وتعداد خلايا الدم الحمراء من خلال تحليل أنماط تدفق الدم داخل تلك الأوعية.
وتركز هذه التقنية على السطح الأمامي للعين بدلاً من شبكية العين (في الخلف)، ما يعفي المنظومة من الحاجة لكاميرات شبكية باهظة الثمن ويفتح الآفاق المستقبلية لتطبيق الفحص عبر الهواتف الذكية.
كما أنها تأتي لتتجاوز التحديات التي واجهت الأجهزة الاستشعارية غير الجراحية السابقة مثل جهاز "Pronto-7" المعتمد من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عام 2021، الذي يقيس الهيموجلوبين بتسليط الضوء عبر الأظافر، لكنه يعاني من قصور في الدقة لدى أصحاب البشرة الداكنة نتيجة تأثر قراءاته بصباغ الجلد.
من هنا برزت عبقرية الاعتماد على الجزء الأبيض من العين، إذ يفتقر هذا النسيج تقريبًا إلى الصباغ ويظهر بشكل متماثل لدى جميع البشر بغض النظر عن عرقهم أو لون بشرتهم.
مؤثرات على قراءات فقر الدم
ومع ذلك، نوهت الدكتورة كيري بأن بعض الحالات الطبية مثل الرمد ومرض جفاف العين، إلى جانب الأدوية مثل قطرات العين العلاجية، قد تؤثر على الأوعية الدموية في العين وتؤدي إلى قراءات خاطئة، مشيرة إلى أن الحصول على نتائج جيدة من الناحية العملية يتطلب ضبطًا دقيقًا لوضعية المريض وتركيزًا بصريًا كافيًا.
فهي مهارات ليس من السهل على الأطباء إتقانها ويمكن أن تحد من سهولة استخدام الطريقة الجديدة، ولذلك يخطط الباحثون لإجراء دراسات مستقبلية تشمل مجموعات أكبر وأكثر تنوعًا.
بما في ذلك المرضى الذين يعانون من فقر الدم الناجم عن نقص الحديد والذين لم يتم تمثيلهم بشكل كافٍ في هذه الدراسة، كما يهدفون إلى إجراء اختبارات متكررة للتقنية الجديدة للتحقق من النتائج وتوسيع نطاقها.












