وصلت تقنيات مراقبة الحياة البرية إلى مرحلة أكثر تقدمًا مع إطلاق نظام قمر صناعي جديد يحمل اسم "إيكاروس"، يتتبع الإشارات المرتبطة بسلوك الحيوانات، في خطوة يُنظر إليها على أنها قد تسهم في حماية الحيوانات المهددة بالانقراض من الصيد الجائر.
في أحد صباحات الشتاء العاصفة في ناميبيا، توقفت شاحنة صغيرة عند أطراف محمية "أوكامبارا إيليفانت لودج"، وهي محمية خاصة للحياة البرية تبعد نحو 161 كيلو مترًا عن العاصمة "ويندهوك"، ترجل أربعة أشخاص إلى الأرض الحمراء، بينهم شخص مسلح ببندقية.
ومع اقتراب المجموعة من الفرائس، يُسمع دوي إطلاق نار، لتدخل الحيوانات في حالة ذعر واسع: تقفز الظباء وتفرّ الحمر الوحشية مذعورة، فيما تتحرك قطعان النوّ بسرعة نحو السهول المفتوحة، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية "BBC".
هذه المشاهد، التي كانت تُقرأ سابقًا باعتبارها سلوكًا عشوائيًا للحيوانات، بات العلماء اليوم يتعاملون معها كـ"إشارات بيانات" يمكن رصدها وتحليلها عبر نظام "إيكاروس"، الذي يراقب الحركة والسلوك من الفضاء على نطاق غير مسبوق، ويأمل باحثون أن تسهم هذه البيانات في تتبع الصيد غير المشروع والتعامل معه بشكل أسرع.
مراقبة هلع الحيوانات تحمي وحيد القرن
يشارك في هذه التجربة باحثون ومتخصصون في الطيور والحياة البرية، ضمن مشروع يهدف إلى تطوير نظام إنذار فوري يعتمد على تتبع أنماط الحركة عند اقتراب الصيادين وتحويلها إلى تنبيهات لحماية الأنواع المهددة.
ورغم أن هذه الأنظمة ما تزال في مرحلة التطوير داخل المحميات، فإن إطلاق قمر "إيكاروس"، الذي يُشار إليه أحيانًا باسم "إنترنت الحيوانات"، يهدف إلى بناء شبكة إنذار عالمية تعمل في الزمن الحقيقي.
وتقول سييرا جين ماتينجلي، عالمة البيئة في معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوان في ألمانيا، إن أوكامبارا تمثل "الموقع المثالي لاختبار النظام"، مشيرةً إلى أن 5% من الحيوانات الكبيرة هناك مزودة بأجهزة تتبع النطاق الجغرافي "GPS"، مع خطة لتوسيع التجربة إلى بيئات أكثر خطورة حول العالم.
وتُستخدم نتائج هذه البيانات في دعم جهود مكافحة الصيد الجائر في متنزهات جنوب أفريقيا الوطنية، إضافةً إلى حماية الأنواع المهاجرة في مناطق غير خاضعة للرقابة مثل حوض الكونغو.
ويقول مارتن ويكيلسكي، رئيس معهد ماكس بلانك: "أصبح بإمكاننا الاعتماد على الحيوانات الأخرى لحماية وحيد القرن، لأنها تنبّهنا عند اقتراب الصيادين".
ويأمل ويكيلسكي في تتبع 100 ألف حيوان حول العالم بحلول عام 2030، بهدف بناء شبكة إنذار طبيعية تعتمد على سلوك الحيوانات نفسها، بحيث تتحول إلى "حراس" للأنواع المهددة مثل وحيد القرن، مضيفًا أن الزرافات تُعد من أفضل هذه "الحراس"، لأنها تراقب محيطها من ارتفاع يسمح برصد التهديدات مبكرًا، قائلاً: "لذلك نعرف أين يوجد الصياد".
ساعات ذكية للحياة البرية
ويعتمد هذا التطور على أجهزة تتبع صغيرة باتت أكثر تقدمًا، وفق تيم وايلد، المهندس في معهد ماكس بلانك، إذ أصبح بعضها قادرًا على قياس الموقع والنشاط وحرارة الجسم ومعدل ضربات القلب، إلى جانب بيانات بيئية مثل الضغط ودرجة الحرارة.
وتتقلص أحجام هذه الأجهزة تدريجيًا، حتى بات بعضها مناسبًا لطيور وفراشات، مثل رقاقة بحجم حبة الأرز طورتها شركة "Cellular Tracking Technologies" لتتبع هجرة الفراشات الملكية في أمريكا الشمالية، كما تعتمد بعض الأجهزة على تقنيات تخزين طاقة أكثر كفاءة تسمح باستخدامها لفترات أطول.
ويشير وايلد إلى أن تقنيات التتبع الحالية أصبحت أكثر دقة مقارنة بالأجيال الأولى التي ظهرت في السبعينيات، حين كانت الأجهزة ثقيلة ومحدودة الإمكانيات، أما اليوم، فيمكنها تحديد المواقع بدقة عالية ورصد تفاصيل سلوك الحيوان بشكل شبه لحظي.
تحديات ميدانية تواجه فريق العمل
ولا تزال هناك فجوات بين الإمكانيات التقنية الحديثة والتطبيقات الميدانية، ففي أوكامبارا، لا يُرسل النظام البيانات إلا كل 10 دقائق، ما يستدعي أحيانًا استخدام طائرات مسيّرة لسد الفجوات في الصورة الكاملة.
ويعمل فريق معهد ماكس بلانك على تطوير حلول تعتمد على خوارزميات تلخص البيانات قبل إرسالها، بما يسمح بتحديد ما إذا كان الحيوان في حالة حركة أو راحة أو تعرض لخطر.
وفي بعض الحالات، ترسل الأجهزة ما يُعرف بـ"إشعار وفاة" عند توقف الحركة تمامًا، لتنبيه فرق الحماية للتحقق ميدانيًا، وقد تم اختبار هذا النظام في حديقة كروجر الوطنية في جنوب أفريقيا، حيث ساعد في إنقاذ عدد من الكلاب البرية العالقة في الفخاخ.
وبحسب بيانات مؤسسة وحيد القرن الدولية، تم صيد أكثر من 10.000 وحيد قرن بشكل غير قانوني في جنوب أفريقيا خلال 15 عامًا، بينها 175 حالة في حديقة كروجر عام 2025.
ومع اتساع مساحة الحديقة التي تبلغ نحو 19.485 كيلومترًا مربعًا، يظل التحدي الأكبر هو بناء شبكة فعالة من أجهزة التتبع والإنذار تغطي هذا الامتداد الواسع.
"إنترنت الحيوانات".. ما هدف "إيكاروس"؟
ويهدف مشروع "إيكاروس" إلى تشغيل ستة أقمار صناعية، بحلول منتصف عام 2027، لتلقي بيانات فورية عن حركة الحيوانات حول العالم، ضمن شبكة تُوصف بأنها "مختبر في المدار"، وبعد إطلاقه عبر صاروخ "فالكون 9"، بدأ القمر الأول في إرسال إشاراته بنجاح، تلاه نظام آخر يحمل اسم "ريفن".
ويتوقع مارتن ويكيلسكي أن يغيّر هذا طريقة فهم العلماء لسلوك الحيوانات في مناطق مث الأمازون وحوض الكونغو، ويختتم قائلًا: "الأسئلة التي كانت تبدو مستحيلة مثل: أين تعيش الحيوانات البرية وأين تموت؟ يمكننا الإجابة عليها الآن".














