حتى سبعينيات القرن الماضي، ساد اعتقاد علمي بأن الدماغ البشري هو عضو "صلب التكوين" يشبه الحاسوب، حيث يفترض أن شبكاته العصبية تظل ثابتة بمجرد وصول الإنسان إلى مرحلة البلوغ، إلا أن هذا العضو المذهل أثبت قدرته الفائقة على إعادة ابتكار نفسه مراراً وتكراراً، فكما هو الحال في المسيرات المهنية الحافلة بالتحولات الكبرى، يمر الدماغ البشري بعدة عصور مفصلية، ويبدو أن الأمومة تمثل أحد أبرز هذه العصور.
وشهد عام 2024 اختراقاً علمياً مدوياً في الولايات المتحدة، حيث تمكن الباحثون من رسم أول خريطة تفصيلية ترصد بدقة التغيرات التي طرأت على دماغ امرأة واحدة طوال رحلة حملها، والتي خضعت لفحوصات إشعاعية مكثفة قبل الحمل وأثناءه وبعد الولادة، لتكشف البيانات عن مفاجأة أذهلت الأوساط الطبية؛ إذ رصد العلماء تقلصاً ملحوظاً في حجم مناطق حيوية بالدماغ مع اقتراب موعد الوضع.
هذا التحول الهيكلي الجذري وُصف بأنه ظاهرة فريدة من نوعها لم يسجلها تاريخ علم الأعصاب من قبل، ما أدى إلى إطلاق "مشروع دماغ الأم"، وهي مبادرة بحثية عالمية تهدف لفهم كيفية تغير الدماغ أثناء الأمومة،
وواجه هذا الموضوع إهمالاً صارخاً في الأوساط العلمية؛ إذ تشير عالمة الأعصاب "إميلي جاكوبس" إلى أن 0.5% فقط من دراسات تصوير الدماغ منذ عام 1990 ركزت على صحة المرأة، واليوم، يتوسع هذا المشروع ليشمل معاهد دولية، مؤكدة أن ما رصد في الحالة الأولى من فقدان في حجم الدماغ وتغيرات في الجهاز الوعائي وتدفق السائل الشوكي وهو نمط يتكرر لدى العديد من الأمهات.
الكفاءة بدل القصور
وعلى الرغم من أن مصطلح "فقدان الحجم" قد يبدو سلبياً، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه التغييرات الشاملة تعكس كيفية إعادة تشكيل الدماغ لنفسه ليصبح أكثر كفاءة وتخصصاً لمهام الأمومة، فالدماغ بصفته عضواً شديد المرونة، يعيد توظيف موارده المحدودة للتعامل مع أحداث الحياة الكبرى مثل البلوغ أو الحمل.
ويسعى هذا المشروع لتحديث لغة الحوار حول مرحلة التحول للأمومة، وتبديد المفاهيم المغلوطة التي تصف دماغ الأم بالقصور، واستبدالها بصورة علمية تبرز قدرته الفائقة على التكيف.
رؤية للمستقبل
ولا يتوقف طموح الباحثين عند رصد التغييرات فحسب، بل يتجهون الآن نحو تأسيس أضخم قاعدة بيانات عالمية مفتوحة المصدر مخصصة لدماغ الأم، تهدف إلى فك شفرات العلاقة بين التحولات الدماغية والقدرات الإدراكية، وامتلاك أدوات تتيح التنبؤ المبكر باكتئاب ما بعد الولادة وفهم أبعاد الآثار طويلة الأمد لمضاعفات الحمل، مثل السكري وتسمم الحمل.













