برزت خلال السنوات الأخيرة تقنية ذهنية تُعرف باسم “التبديل المعرفي”، وانتشرت بشكل واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي بعد أن طوّرها الأكاديمي الكندي لوك بي بودوان، الأستاذ المساعد في جامعة سيمون فريزر في كندا، ضمن أبحاثه حول النوم.
وبحسب ما نشرته BBC تقوم الفكرة على استخدام سلسلة من التخيلات البسيطة وغير المرتبطة بهدف تهدئة النشاط الذهني المتسارع، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون من صعوبة في النوم بسبب التفكير المفرط. وتشير تجارب فردية عديدة إلى أن هذه الطريقة قد تكون فعّالة في إبطاء تدفق الأفكار ومساعدة العقل على الدخول في حالة استرخاء تدريجي.
ويصف كثير من الأشخاص، خاصة من يعانون من القلق الليلي، أن وقت الاستلقاء في السرير يتحول غالبًا إلى مساحة لظهور الأفكار المتلاحقة وتحليل المواقف اليومية بشكل زائد. ورغم تجربة العديد من الأساليب التقليدية مثل تمارين التنفس أو العد التنازلي أو محاولات صرف الانتباه، فإن النتائج لا تكون دائمًا مرضية. وهنا ظهرت تقنية تعتمد على إعادة تنظيم التفكير بشكل مختلف تمامًا، عبر إدخال العقل في سلسلة من الارتباطات الذهنية المحايدة.
كيف تنفذ "التبديل المعرفي"؟
تقوم هذه الطريقة على اختيار كلمة عشوائية لا تحمل أي شحنة عاطفية، مثل كلمة “كعكة”، ثم تحليلها حرفًا حرفًا. يبدأ الشخص بالتفكير في الحرف الأول ومحاولة استحضار أكبر عدد ممكن من الكلمات أو الصور الذهنية التي تبدأ به، مع تخيل كل عنصر يتم استدعاؤه.
على سبيل المثال، عند التعامل مع الحرف الأول يمكن استحضار كلمات مثل “كرسي” أو “كتاب” أو “كوخ” مع تخيل كل منها بشكل بصري. وبعد استنفاد الأفكار المرتبطة بهذا الحرف، ينتقل الذهن إلى الحرف التالي في الكلمة، وتستمر العملية بنفس الطريقة حتى يبدأ العقل في فقدان القدرة على الاستمرار في التسلسل، وغالبًا لا يصل الشخص إلى نهاية الكلمة قبل أن يبدأ الشعور بالنعاس.
ورغم أن هذه التقنية لا تضمن النوم الفوري في جميع الحالات، فإن مستخدمين كثيرين يؤكدون أنها ساعدتهم على تقليل الوقت الذي يستغرقه الدخول في النوم بشكل ملحوظ، كما أنها أثبتت فاعليتها في العودة إلى النوم عند الاستيقاظ الليلي المصحوب بالتفكير الزائد. وقد ساهم انتشارها عبر مقاطع الفيديو والمنشورات التوعوية في جعلها واحدة من الأساليب الشائعة بين المهتمين بتحسين جودة النوم.
وتوضح الاستشارية والمتخصصة في طب النوم في مستشفى رويال برومبتون بلندن ألانّا هير، أن هذا الأسلوب يعمل على تحفيز حالة ذهنية قريبة من النعاس، من خلال الجمع بين تشتيت الانتباه عن الأفكار المقلقة وإشغال الدماغ بمهمة بسيطة ومتكررة. ويُعتقد أن هذا النوع من التشتت المنظم يساعد في تخفيف حدة النشاط الذهني الذي يمنع الجسم من الدخول في مرحلة النوم العميق.
ويعود أصل هذا المفهوم إلى أبحاث أكاديمية تعود لأكثر من عقد، حيث تم تطوير نموذج قائم على “التخيل المتتابع” الذي يعتمد على استدعاء صور ذهنية عشوائية ومحايدة بشكل متسلسل. وقد انطلق هذا التصور من فرضية مفادها أن الأشخاص الذين يعانون من الأرق غالبًا ما يظلون عالقين في دوامة من التفكير المستمر مثل القلق أو التخطيط أو إعادة تقييم الأحداث، وهو ما يبقي الدماغ في حالة يقظة مستمرة. ومن هنا جاءت فكرة استبدال هذا النمط بآخر أكثر حيادية يساعد العقل على الانتقال التدريجي نحو حالة النوم.
وخلال مراحل التطوير الأولى، اعتمد لوك بي بودوان، على مبدأ التصور الذهني الذي يقوم على التركيز على صورة واحدة لفترة زمنية قصيرة، قبل الانتقال إلى صورة أخرى. لكن الملاحظات العملية أشارت إلى أن هذا الأسلوب قد يكون بطيئًا بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطراب في النوم أو من تدفق مستمر للأفكار، مما دفع إلى تعديل الفكرة لتصبح أكثر سرعة وتنوعًا في التبديل بين الصور الذهنية.
التشويش على الأفكار المتداخلة
وفي دراسة علمية أجراها بودوان في عام 2016، شملت مئات المشاركين من طلاب الجامعات الذين يعانون من اضطرابات في النوم، تمت مقارنة هذه التقنية بأسلوب آخر يعتمد على تدوين الأفكار المقلقة وحلولها. وأظهرت النتائج أن كلا الطريقتين حققتا تحسنًا في القدرة على الاستغراق في النوم، مع ميزة إضافية للتقنية القائمة على التبديل الذهني تتمثل في إمكانية تطبيقها بسهولة أثناء الاستلقاء دون الحاجة إلى أدوات أو كتابة.
وتشير الباحثة في مجال النوم في جامعة موناش الأسترالية إيليني كافاليوتيس، إلى أن فعالية هذه الطريقة تعود إلى قدرتها على نقل الانتباه بعيدًا عن الأفكار المتداخلة، وإدخال العقل في نمط قريب من المرحلة الانتقالية بين اليقظة والنوم. في هذه المرحلة، يبدأ الدماغ بشكل طبيعي بإنتاج صور ذهنية غير مترابطة، وهو ما يشبه الأحلام القصيرة أو “الصور العابرة” التي تظهر قبل النوم مباشرة.
ويُنظر إلى هذه الحالة باعتبارها جزءًا طبيعيًا من عملية النوم، حيث يدخل العقل تدريجيًا في نمط من التفكير غير المنظم الذي يمهد للراحة. وعند تطبيق تقنية التبديل المعرفي، يتم محاكاة هذا النمط بشكل مقصود، مما يساعد الدماغ على الانتقال بسلاسة إلى مرحلة النوم.
مع ذلك، يُنصح باستخدام كلمات أو موضوعات محايدة تمامًا أثناء تطبيق هذه التقنية، مثل الأشياء اليومية أو الحيوانات أو العناصر البسيطة، مع تجنب أي محتوى قد يثير الانفعال أو التفكير العاطفي، مثل القضايا المرتبطة بالعمل أو الضغوط الشخصية، لأنها قد تعيق الوصول إلى حالة الاسترخاء المطلوبة.
ويؤكد بودوان أن استجابة الأفراد لهذه الأساليب تختلف بشكل كبير من شخص لآخر، تبعًا لطبيعة التفكير وطريقة التعامل مع التوتر. فبعض الأشخاص قد يجدون في هذا الأسلوب وسيلة فعالة، بينما قد يفضّل آخرون تقنيات تعتمد على الأرقام أو التركيز البسيط.
كما تشير الخبرات الإكلينيكية إلى أن التدريب المستمر على هذه الأساليب قد يعزز فعاليتها مع الوقت، حيث يصبح العقل أكثر قدرة على الدخول في حالة الاسترخاء عند تكرار الممارسة. ومع ذلك، فإن هذه التقنيات لا تُعد علاجًا شاملًا لجميع حالات الأرق، وإنما وسيلة مساعدة ضمن مجموعة من الأساليب.
ويأمل الباحثون في أن تساهم الدراسات المستقبلية في توضيح مدى فعالية هذا النوع من التقنيات مقارنة بأساليب أخرى مستخدمة لتحسين النوم، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من أرق مزمن أو اضطرابات مستمرة.
اقرأ أيضًا:
هل من الأفضل النوم بدون وسادة؟
6 عادات قبل النوم للأشخاص الذين لا يمرضون أبدًا
هذا ما يحدث لجسمك عند النوم بعد السحور













