يُعد القلق شعورًا إنسانيًا طبيعيًا يمر به جميع الأفراد في مواقف مختلف من حياتهم اليومية، ويعمل كآلية تكيف تساعد الإنسان على الاستجابة للتهديدات والمواقف الصعبة.
ومع ذلك.. قد يتجاوز القلق حدوده الطبيعية، ليصبح اضطرابًا يؤثر سلبًا على جودة الحياة.. وفي هذا السياق يبرز الوسواس القهري كحالة نفسية منفصلة، رغم ارتباطه الوثيق بالقلق، لذا تبرز أهمية التمييز بينهما لفهم كل منهما وطرق علاجهما.
متى يصبح القلق أمراً أكثر خطورة؟
يمكن أن يتحول القلق "الطبيعي" إلى اضطراب قلق عندما تصبح المخاوف أو القلق مستمرة وشديدة وتبدأ في التدخل في الحياة اليومية.. سيعاني حوالي واحد من كل ثلاثة أشخاص من اضطراب القلق في مرحلة ما من حياتهم.
ومن بين أكثرها شيوعًا اضطراب القلق الاجتماعي (الخوف في المواقف الاجتماعية)، واضطراب الهلع (نوبات الهلع المتكررة، والخوف من التعرض لنوبة أخرى)، واضطراب القلق العام (القلق المستمر والمفرط).
تختلف أعراض هذه الاضطرابات قليلًا، لكنها تشترك جميعها في الخوف أو القلق المفرط والمستمر الذي يسبب ضيقًا أو يدفع الناس إلى تجنب جوانب مهمة من الحياة، بما في ذلك العمل أو الدراسة أو الأنشطة الاجتماعية.
ماذا عن الوسواس القهري؟
على الرغم من أن الوسواس القهري ينطوي على القلق، إلا أنه يعتبر في الواقع اضطرابًا منفصلًا في الدليل التشخيصي الذي يستخدمه متخصصو الصحة العقلية، من الممكن أن يكون لدى الشخص كلا الأمرين - حوالي نصف إلى ثلاثة أرباع الأفراد المصابين بالوسواس القهري يستوفون أيضًا معايير واحد أو أكثر من اضطرابات القلق، يتضمن اضطراب الوسواس القهري الوساوس والأفعال القهرية أو كليهما. وتسبب هذه الأمور ضيقًا شديدًا أو تعيق الأداء اليومي.
الوساوس هي أفكار أو صور أو رغبات ملحة وغير مرغوب فيها. قد يعني هذا خوفًا شديدًا من تلوث طعامك، أو تخيلًا مفاجئًا لإيذاء شخص ما، أو شعورًا يتردد في ذهنك باستمرار بأنك ارتكبت خطأً جسيمًا.
السلوكيات القهرية هي السلوكيات المتكررة (أو الطقوس العقلية) التي يشعر الناس بأنهم مدفوعون للقيام بها لتخفيف هذا الضيق، مثل التحقق، وتكرار العبارات، وغسل اليدين بشكل مفرط، أو البحث عن الطمأنينة.
قد تراودنا أحيانًا أفكار غير مرغوب فيها، أو نعود للتأكد من إطفاء الفرن، إن الحفاظ على نظافة الأشياء أو الحرص على اتباع روتين معين قد يكون مجرد عادات لا تسبب أي ضيق.. لكن ما يميز اضطراب الوسواس القهري هو شدته وتأثيره.
إذا كانت الوساوس أو الأفعال القهرية تستغرق فترات طويلة من الوقت، أو تسبب لك ضيقًا كبيرًا، أو تتداخل مع الحياة اليومية، فقد يكون ذلك علامة على اضطراب الوسواس القهري.
لا يمكن تشخيص الوسواس القهري من خلال السلوك وحده، قد يكون الوسواس القهري خفيًا أيضًا لأن العديد من السلوكيات القهرية تحدث ذهنيًا، مثل تكرار عبارات أو العد، وقد يحاول المصابون بالوسواس القهري إخفاء أعراضهم بدافع الخجل.
هل يتم التعامل مع الوسواس القهري والقلق بشكل مختلف؟
على الرغم من وجود بعض أوجه التشابه بين اضطرابات القلق والوسواس القهري، بما في ذلك الأفكار المزعجة المتكررة، إلا أن الأنماط والمعتقدات التي تحركها تختلف، وهذا يعني أن طريقة علاجها ستختلف أيضًا.
يُعد العلاج السلوكي المعرفي (CBT) أحد أكثر العلاجات فعالية لكل من اضطرابات القلق والوسواس القهري، بالنسبة لاضطراب الوسواس القهري، غالبًا ما يتضمن العلاج شكلًا متخصصًا من العلاج السلوكي المعرفي يُسمى التعرض ومنع الاستجابة، ويتضمن هذا العلاج مواجهة المواقف التي تُثير الأفكار المزعجة تدريجيًا مع مقاومة الرغبة في القيام بالأفعال القهرية.
على سبيل المثال، قد يُقلل الشخص الذي يُعاني من مخاوف التلوث تدريجيًا عدد مرات غسل يديه قبل تناول الطعام. ومع مرور الوقت، يتعلم الناس أن النتيجة المُخيفة لا تحدث، وأن بإمكانهم تحمل شعورهم بعدم الارتياح دون هذا الطقس، وأن القلق يزول من تلقاء نفسه.
يركز علاج اضطرابات القلق على الخوف المحدد، فعلى سبيل المثال، بالنسبة للقلق العام، يتضمن العلاج فهم أنماط القلق، وتحدي المعتقدات التي تُبقي المخاوف مستمرة، وتطوير طرق أكثر فعالية للتعامل مع المشكلات، مثل تبادل الأفكار لإيجاد حلول واتخاذ خطوات صغيرة.
يمكن أن تكون الأدوية المضادة للاكتئاب (وخاصة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، أو (SSRIs) عنصرًا فعالًا في علاج كل من اضطرابات القلق والوسواس القهري، غالبًا ما يؤدي الجمع بين العلاج الدوائي (SSRIs) والعلاج النفسي (العلاج السلوكي المعرفي) إلى أفضل النتائج العلاجية، لا سيما في حالات الوسواس القهري الشديدة.














