تقترب محطة الفضاء الدولية من نهاية عمرها التشغيلي، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديًا متزايدًا يتعلق بالحفاظ على حضورها في المدار الأرضي المنخفض، رغم توجهها نحو تنفيذ خطط طموحة لإنشاء قاعدة دائمة على سطح القمر. ويعكس هذا الوضع حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل الوجود الأمريكي في منطقة فضائية قريبة من الأرض تُعد أساسية للأنشطة العلمية والاستراتيجية.
وتدور محطة الفضاء الدولية في مدار أرضي منخفض يصل ارتفاعه إلى نحو 2000 كيلومتر فوق سطح الأرض، وقد استضافت، على مدار أكثر من 25 عامًا من التشغيل المتواصل، قرابة 300 رائد فضاء. ورغم استمرارها في أداء مهامها، فإن خطط إنهاء تشغيلها باتت قريبة، مع توجه نحو استبدالها بمحطات فضائية جديدة تطورها شركات خاصة لتكون بمثابة قواعد تشغيلية لرواد الفضاء التابعين لوكالة ناسا وشركائها الدوليين.
ومع اقتراب الموعد المتوقع لإنهاء عمل المحطة بحلول عام 2030، تكثف وكالة ناسا جهودها لتسريع عملية الانتقال، في ظل إدراك متزايد بأن الحفاظ على وجود دائم في المدار الأرضي المنخفض لا يقتصر على الأهداف العلمية، بل يمتد ليشمل أبعادًا استراتيجية وأمنية.
المخاطر والفجوات المحتملة
يحذر خبراء من أن غياب محطة فضائية عاملة في هذا المدار سيؤدي إلى فجوة كبيرة في قدرات الولايات المتحدة، خصوصًا فيما يتعلق بإجراء التجارب الضرورية لدعم مهمات الفضاء العميق، إضافة إلى ما قد يترتب على ذلك من تداعيات تمس الأمن القومي.
وفي هذا السياق، أكد ديلان تايلور، الرئيس التنفيذي لشركة “فوياجر تكنولوجيز”، أن الوجود البشري في الفضاء يعكس منظومة القيم الأمريكية ويُعد أحد أدوات “القوة الناعمة”، مشيرًا إلى أن الصين تمتلك بالفعل محطة فضائية حديثة، ما يجعل استمرار الحضور الأمريكي في المدار أمرًا بالغ الأهمية.
وكانت الصين قد استكملت في عام 2022 بناء محطتها الفضائية “تيانغونغ”، التي يمكنها استضافة ثلاثة رواد فضاء في الوقت نفسه لتنفيذ أبحاث متقدمة، ما يعزز من دورها في توجيه مستقبل تقنيات الفضاء العالمية.
ورغم إعلان الولايات المتحدة نيتها تشغيل المحطة حتى عام 2030 على الأقل، يرى مشرعون أن هذا الإطار الزمني غير كافٍ لتطوير واختبار وإطلاق بديل تجاري جاهز. وفي هذا الإطار، دعا مشروع قانون في مجلس الشيوخ إلى تمديد تمويل المحطة حتى عام 2032، مشيرًا إلى أن التأخيرات المتكررة من جانب ناسا في طرح طلبات العروض خلقت حالة من الغموض للشركات الخاصة.
التمويل والمبادرات التجارية الجديدة
في المقابل، تسعى شركات خاصة إلى تعزيز جاهزيتها، حيث أعلنت شركة “أكسيوم سبيس” عن جمع 350 مليون دولار، فيما حصلت شركة “فاست” على 500 مليون دولار، في إطار سباق لتطوير محطات مدارية جديدة.
وتخطط شركة “فاست” لإطلاق محطة صغيرة أحادية الوحدة تُعرف باسم Haven-1 في أقرب وقت ممكن، حتى دون دعم حكومي مباشر، بينما تعمل “أكسيوم سبيس” على تطوير وحدة فضائية يُفترض إطلاقها عام 2028 وربطها مؤقتًا بمحطة الفضاء الدولية قبل تشغيلها بشكل مستقل.
ورغم هذه التحركات، لا تزال هناك شكوك حول قدرة هذه الشركات على الاستمرار دون عقود حكومية، إذ يُرجح أن تبقى وكالة ناسا والجهات الحكومية الأخرى العملاء الرئيسيين لهذه المحطات، ما يجعل مفهوم “الخصخصة” أكثر دقة من “التسويق” في المرحلة الحالية.
ويرى مستثمرون أن الصورة قصيرة المدى لا تزال محفوفة بالتحديات، لكنهم يراهنون على مستقبل طويل الأمد قد يشهد اقتصادًا فضائيًا متناميًا، مع إطلاق مركبات من القمر وتوسع الحاجة إلى موائل فضائية تدعم الأنشطة العلمية والأمنية.
وفي هذا الإطار، ستلعب وكالة ناسا دورًا حاسمًا في اختيار الشركات الفائزة بالعقود المتوقعة بين عامي 2026 و2031، والتي قد تصل قيمتها إلى نحو 1.5 مليار دولار، وهو مبلغ متواضع مقارنة بتكلفة محطة الفضاء الدولية التي تجاوزت 150 مليار دولار، فضلًا عن تكاليف تشغيل سنوية تبلغ نحو 3 مليارات دولار.
التصاميم المستقبلية للمحطات الجديدة
تتنوع التصاميم المقترحة للمحطات الجديدة بين وحدات صغيرة ومجمعات فضائية متعددة الاستخدامات، مع ميزات تشمل مختبرات متقدمة، ونوافذ واسعة، وأذرع روبوتية، وتقنيات موائل مبتكرة. في المقابل، تواجه محطة الفضاء الدولية تحديات متزايدة نتيجة التقادم، بما في ذلك تسربات واصطدامات بجسيمات دقيقة، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى صيانة مكلفة وتحديثات تقنية.
ويحذر خبراء من أن إيقاف تشغيل المحطة قبل جاهزية البديل سيؤدي إلى فجوة خطيرة، خاصة أن العمر المتبقي قد لا يكفي لاستكمال الأبحاث الضرورية لدعم برنامج “أرتميس” واستكشاف الفضاء العميق. كما يشير مختصون إلى أن تداعيات هذا الفراغ لن تقتصر على الجانب العلمي، بل ستمتد إلى الاقتصاد والأمن القومي، في ظل الأهمية المتزايدة للمدار الأرضي المنخفض كمجال للتجارة العالمية والتقنية.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع احتمال انسحاب روسيا، الشريك الرئيسي في المحطة، بعد عام 2028، ما قد يؤثر على استمرارية العمليات ويزيد الأعباء على الولايات المتحدة. وفي حال غياب محطة فضائية عاملة، قد يجد رواد الفضاء الأمريكيون أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى الفضاء لفترات طويلة، وهو ما يمثل تحولًا كبيرًا بعد أكثر من ربع قرن من الوجود المستمر في المدار.
وتظل الأبحاث التي تُجرى في المدار الأرضي المنخفض عنصرًا أساسيًا في تطوير المعرفة اللازمة لضمان سلامة المهمات المستقبلية إلى القمر والمريخ، ما يجعل الحفاظ على هذا الوجود أولوية استراتيجية في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا:
ناسا تعلن موعد إطلاق رحلة إعادة البشر إلى القمر
لماذا استغرقنا نصف قرن للعودة إلى القمر؟
مليارديرات أمريكا يتسابقون مع الصين للوصول إلى القمر














